لذلك . ويرى أنه أقل عبيد اللّه ، وأكثرهم حاجة إليه ، وأفقرهم إلى التعلم كما قيل : « العالم عالم ما كان يرى نفسه أنه جاهل ، فإذا رأى نفسه أنه عالم فقد جهل » ، بل مسترشد متعلم يقعد مع إخوانه يرشدهم ، ويسترشد منهم ، ويعلمهم ، ويتعلم منهم .
وقع لي مع سيدي « أبي محمد » - رحمه اللّه - لما جئت أريد أن أقرأ عليه ، فقال لي : أما تقرأ على العلماء ؟ أريد أن أقرأ عليك . فقال لي : كيف تترك العلماء وتأتيني تقرأ على مثلي ؟ . فقلت : أريد أن أقرأ عليك . فقال : استخر اللّه تعالى ، فاستخرت اللّه تعالى ثم جئت إليه ، فقلت : أقرأ . قال : عزمت . قلت :
نعم . فقال لي : لا يخطر بخاطرك ، ولا يمر ببالك أنك تقرأ على عالم . ولا أنك بين يدي شيخ ، إنما نحن إخوان مجتمعون نتذاكر أشياء من أحكام اللّه تعالى علينا ، فعلى أي لسان خلق اللّه تعالى الحق ، والصواب قبلناه ، وإن كان صبيا في المكتب .
قال : فإذا قعد الإنسان للتعليم على هذا الترتيب - يريد بما ذكر وبما تقدّم قبل ذلك من [ آدابه ] « 1 » - كان من أعظم الناس منزلة ، وأكثرهم خيرا لما ورد في الحديث : « من صلى الفريضة ، ثم قعد يعلم الناس الخير ، نودي في السماوات عظيما » » « 2 » .
قلت : ويرحم اللّه شيخنا الإمام أبا إسحاق ابن فتوح ، فلقد كان يعترف بهذا المعنى ويقول : « لو استغنيت عن المعونة بالوظائف ، لتركتها إلا وظيفة التدريس لما لي فيها من الانتفاع بمذاكرة الطلبة » ، وهذا من أخلاق الفضلاء قديما وحديثا .
حكى الشيخ « خليل بن إسحاق » في مناقب شيخه العالم الصالح « عبد اللّه المنوفي » - رحمه اللّه - « أنه كان مع العلم العظيم لا يدّعي دعوى بل يعترف
هامش
( 1 ) في « أ » : آبائه .
( 2 ) انظر المدخل : 1 / 67 - 68 .