أقنعهما ، فانصرفا عنه راضيين بجوابه ، وحامدين لعلمه ، وبقيت مرتبكا ، وإني لعلى ما كنت عليه في تلك المسائل إلى وقتي هذا ، فكان ذلك زاجر نصيحة ، ونذير موعظة تذلل بهما 307 و / / قياد النفس ، وانخفض بهما جناح العجب ، توفيقا منحته ، ورشدا أتيته » « 1 » .
قلت : يرحم اللّه هذا الإمام الفاضل ، فلقد كان في الحرص على طلب الإخلاص بعلمه وابتغائه به ما عند اللّه - تعالى - بالمكان الذي حفظ بحراسته من غائلة الإعجاب ، وآفة ما يذهل به عن شهود المنة من اللّه تعالى ، ورؤية أن النعمة ليست إلا منه .
فحكى « ابن خلكان » « أنه قيل : إنه لم يظهر شيئا من تصانيفه في حياته ، وإنما جمعها كلها في موضع ، فلما دنت وفاته ، قال لشخص يثق به : الكتب التي في الموضع الفلاني كلها تصنيفي ، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية صالحة خالصة للّه تعالى لم يشبها كدر . فإذا عاينت الموت ، ووقعت في النزع ، فاجعل يدك في يدي ، فإن قبضت عليها وعصرتها ، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها ، فاعمد إلى الكتب ، وألقها في « دجلة » ليلا ، وإن بسطت يدي ، ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قد قبلت ، وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة .
قال ذلك الشخص : فلما قارب الموت وضعت يدي في يده فبسطها ، ولم يقبض على يدي ، فعلمت أنها علامة القبول ، فأظهرت كتبه بعده » « 2 » .
الحكاية الثانية :
رأيت بخط الشيخ الفقيه الأديب البارع « أبي القاسم محمد بن أحمد بن حاتم العاملي المالقي الشهير بابن البناء » قال :
« حكى لي بعض الأصحاب قال : كان « بدمشق » عالم يقال له « كرواح » ، وكان أفقه أهل زمانه ، وأتمهم مروءة ، وأكثرهم تواضعا وحسن أخلاق ، وكان
هامش
( 1 ) م . س : 45 .
( 2 ) انظر الوفيات : 3 / 282 - 283 .