قصيرا ذميما ، فأتاه يوما رجل برقعة في نازلة فتأملها ، وكتب عليها الجواب ثم دفعها له . فقال له السائل : هنيئا لك يا سيدي على ما أعطاك اللّه من العلم ، واللّه لقد مررت بهذه النازلة على جميع من لقيته 307 ظ / / بالعراق ، والشام من أهل العلم ، فما وجدت من يكتب لي عليها ، ثم انصرف الرجل ، وكأن نفس هذا العالم قد تعجبت من الرتبة التي حصلت لها في العلم ، وقالت : هذا مقامك اليوم بحيث تغلب العلماء وتفوقهم .
قال : فبينما هو في هذا الخاطر ، إذ مرت به امرأة فقالت له : يا سيدي ، تعال معي لحاجة لي عندك ، فتبعها ، وكان لا يدعوه أحد إلا أجابه لفرط تواضعه ، فلم يزل يقفو أثرها حتى وقفت على حانوت نقاش ، فوقف هو ناحية بالقرب منها ، فجعلت تقول للنقاش شيئا لا يسمعه العالم ، وتشير إليه فينظر النقاش إليه ويتأمله ، ثم قالت للعالم : انصرف إذا شئت ، فقد قضيت حاجتي ، فانصرف متعجبا من أمرها .
فلما علم انصرافها عن الحانوت كرّ راجعا ، فقال للنقاش : ما ذا أسرت لك المرأة حين كنت تنظر إلي ؟ فامتنع النقاش من إخباره ، فألح عليه فقال له : إن هذه المرأة جاءتني بالأمس ومعها لوح رصاص فقالت لي : أحب أن تنقش لي في هذا اللوح صورة إبليس . فقلت لها : وكيف ؟ فقالت لي : أنا آتيك به حتى تنظر إليه ، فلما جئت معها قالت لي : هذا إبليس فانظر ما أنت ناقشه . فقال له :
لا بأس عليك ، ثم انصرف وقد فطن لسبب عقابه بذلك ، وهو خاطر العجب ، فتاب من ذلك الخاطر ، واسترجع » .
تكميل :
تقدم أن التواضع من أفضل آداب العلماء ، وأليق أخلاق الكمال بهم ، ومن أجمل ذلك وأحسنه رؤية التقصير فيما أقيموا فيه ، واعتقاد أنهما أحوج إلى التعلم ممن يعلمونه ، وبسط ذلك بما أشار إليه « ابن الحاج » في « المدخل » . قال - رحمه اللّه - فيما قرر من آداب العالم : « وينبغي أن يكون خائفا على نفسه 308 و / / من التقصير ، مشفقا على نفسه في التبليغ ، يرى نفسه أنها ليست أهلا