المسألة الثالثة : فيما به علاج هذين الداءين المهلكين ،
ولما كان الكبر منهما ناشئا عن العجب إذ هو له السبب الأكثري كما قرره العلماء - رضي اللّه عنهم - كان العلاج لهما على الجملة واحدا ، وهو باعتبار التفصيل لما يخصهما منه بحسب هذا المقام أنواع :
أحدها : أن يلتفت إلى « أن التواضع » كما أشار إليه الماوردي : « عطوف ، والعجب منفر » « 1 » . ولا خفاء أن المتعلم محتاج إلى التخلق بما يستميل به قلوب المعلمين ، ويدرأ به مفاسد النفور عنه ، فإن هو أعجب بنفسه حتى غلب عليه الكبر ، فقد تعرض للخيبة مع المقت له ومقابلته بالإعراض عنه ، وقد تقدم معنى قولهم : « المتواضع من طلاب العلم أكثر علما كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء » « 2 » .
الثاني : أن يصرف نظره إلى من فوقه من العلماء ، ومن تقدمه في جودة الفهم ، وإتقان التحصيل ، ومتى لم ينظر إلا إلى كثرة من دونه من الجهال ، تولد العجب لا محالة ، ونشأ عنه بعد ذلك الزهو والكبرياء ، والواجب صرف هذا النظر إلى الوجهة الأخرى . فإنه كما قال الماوردي :
« ليس متناه في العلم ، إلا وسيجد من هو أعلم منه ( بشيء ) « 3 » ، إذ العلم أكثر من أن يحيط به بشر . قال اللّه تعالى :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
« 4 » .
قيل : فوق كل عالم من هو أعلم منه حتى ينتهي ذلك إلى اللّه عز وجل .
وقيل لبعضهم : من يعرف كل العلم ؟ قال : كل الناس .
هامش
( 1 ) أدب الدنيا : 44 .
( 2 ) جامع العلم : 1 / 142 .
( 3 ) ساقطة من أدب الدنيا : 44 .
( 4 ) سورة يوسف ، الآية : 76 .