فسلمت وجلست حيث انتهى بي المجلس ، وأنا في هيئة السفر ، فلما كاد المجلس ينقضي قال لي : من الرجل ؟ قلت : باغي أدب . قال : أهلا وسهلا من أين تكون ؟ قلت له : من المغرب الأقصى ، وانتسبت له إلى « قرطبة » فقال لي :
دار القوم ؟ قلت : نعم ، قال لي : أتروي من شعر أبي المخشي « 1 » الذي قاله عندكم ؟ قلت : نعم ، قال : فأنشدني ، فأنشدته شعره في العمى ، فلما بلغت :
« كنت آبي للذرى إلا الذرى » « 2 » . . .
قال : هذا الذي طلبته الشعراء ، فأضلته . ثم قال : أنشدني « لأبي الأجرب » « 3 » فأنشدته ، ثم قال : أنشدني « لبكر الكناني » « 4 » ، فأنشدته . قال : شاعر البلد اليوم « عباس بن ناصح » ؟ .
قلت : نعم ، قال : فأنشدني له فأنشدته 294 ظ / / :
« فأدت القريض ومن ذا فأد » . . .
فقال لي : أنت عباس ! قلت : نعم ، فنهض إلي فتلقيته ، فاعتنقني ، وضمني إلى نفسه ، وانحرف لي عن مجلسه ، فقال له من حضر المجلس : من أين عرفته - أصلحك اللّه - في قسم بيت ؟ قال : إني تأمّلته عند إنشاده لغيره ، فرأيته لا يبالي ما حدث في الشعر من استحسان أو استقباح ، فلما أنشدني
هامش
( 1 ) ذكره الحميدي في الجذوة ص : 401 ، وقال عنه : شاعر أعرابي مشهور قديم ، أنشد له ابن شهيد فيما استحسن من شعره ، وقال عنه : قديم الحوك والصنعة ، عربي الدار والنشأة ، وإنما تردد بالأندلس غريبا طارئا ، وهو من فحول الشعراء المتقدمين .
( 2 ) وعجزه :. . . « ما فقأت عيني إلا الدّنا »انظر الزبيدي في الطبقات : 263 ، والإنباه : 2 / 366 .
( 3 ) هو جعونة بن الصّمة الكلابي ، من قدماء شعراء الأندلس قال عنه الحميدي : وإذا ذكرنا أبا الأجرب . . . لم نبار به إلا جريرا والفرزدق لكونه في عصرهما ، ولو أنصف لاستشهد بشعره ، انظر جذوة الحميدي : 189 .
( 4 ) بكر بن عيسى الكناني كان من أهل العلم واللغة ، وكان الغاية في الفصاحة حتى ضرب به المثل فقيل : أفصح من بكر الكناني ، وكان شاعرا مجيدا . انظر طبقات الزبيدي : 261 ، والتكملة : 1 / 216 .