ومنهن : من تجود للّه تعالى بولدها فلا تبقي لنفسها منه حظا كما حكى ابن العربي : « أن بعض الطلبة قال لأمه : إني أردت طلب العلم ، فذريني للّه - عز وجل - . قالت له : قد فعلت . فخرج منها مهاجرا إليه ، فلما تعلم عاد فدق الباب عليها فقالت : من ؟ فقال لها : ابنك . قالت : وما أردت ؟ قد تركناك للّه ، ولا نعود فيما تركناه له » .
قلت : ينظر إلى هذا الصدق من جانب الرجال حتى سلم في العودة إلى أهله لاغتباطه بمحل العلم .
حكاه أيضا [ المراغي ] « 1 » : « كان ممن تفقه ببغداد ، وكانت كتب أهله ترد عليه من بلده فكلما ورد كتاب وضعه في الصندوق ، ولم يقرأه حتى مرت عليه أحوال بلغ فيها ما شاء اللّه في العلم من الآمال ، وعقد النية على الرجوع إلى بلده ، فأخرج الكتب ، وقرأها ، فإذا في بعضها ما لو علمه في ذلك الوقت من اختلال حاله هناك ، ومن مات من أهله ، فما لبث لحظة ، ولا تمت له قراءة ، وأكرى ، وشد رحله ، وعبأه على ظهور الدواب ، وتقدم ليبتاع ما يضع من الزاد في السفرة ، فساوم فاميا « 2 » ، وطفقا يتناولان هذا زاده ، وهذا ثمنه ، وفي أثناء ذلك قال الفامي لجاره : أي فل ، أما سمعت اليوم العالم الفلاني يقول عن ابن عباس : أنه يجوز الاستثناء في اليمين ولو بعد سنة ؟ ! . . . قال له : نعم ، قال :
إني مفكر من ذلك الوقت في هذه المسألة ، ولو كان هذا صحيحا لما قال اللّه تعالى لأيوب :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
« 3 » .
وكان يقول له : قل : إن شاء اللّه . قال : فقف شعري تعجبا ، وقلت :
اخرج من بلد ؟ هذه همّة فاميّه ، فضلا عن حملة الدين وذويه ، لا يكون هذا أبدا ، ولحقت المكاري ، وقلت له : أنت في حل من الكراء . خلّ رحلي ، وأخذه ، وعاد إلى حالته الأولى 294 و / / من الطلب والقراءة » ا ه .
هامش
( 1 ) في « ج » و « د » : أبو الفضل المراغي .
( 2 ) الفامي : البقال .
( 3 ) سورة ص ، الآية : 44 .