وكان بينهما شنآن ، فأمرت إحداهما خدمها أن يضعن ثيابها وسط ثياب الأخرى ، ففعلن ذلك ، ثم خرجت ، فطلبت ثيابها ، فلم تجدها ، فقالت لصاحبة الحمام ، رأيت فلانة في الحمام ، ما أخذ ثيابي إلا هي ، فأنكرت ذلك الحمامية ، وقالت : هي من أفاضل الناس وتفعل هذا ؟ أنا أغرم لك الثياب . فألحت على تفتيش الثياب ، فطلبت ، فوجدت الثياب ، وشهدت النساء عليها ، ورفع ذلك « لابن حوط اللّه » فأخذ المرأة ، وأمر بها فسجنت ، أو قال : ضربت ، فأرسلها ، فقام أخوها « بجامع إشبيلية » ودعى ابن حوط اللّه إلى أمير المؤمنين الناصر ، فرفع الرجل قصّته إليه ، فأكبر القضية ، وأكبرها الفقهاء . فقال : أمير المؤمنين يقتص لهذه المرأة ، فعظم ذلك على الفقهاء الذين معه ، فما زالوا يتلطفون مع خصمه حتى عفا عنه ، وبيده وكالة من أخته تقتضي ذلك » ا ه .
قلت : ينظر إلى سؤال هذا الصنف : العلماء بالفروع على وجه الاضطرار إليهم ، ما حكي عن « الأعمش » أنه لما أراد الحج وبلغ « الحيرة » قال لمن كان معه : « اذهب إلى أبي حنيفة حتى يكتب لنا المناسك » . وفي ذلك كله أوضح دليل على أن الاقتصار على الرواية لا يوفي بما لا يعرف إلا بالدراية 289 و / / .
التتمة الثانية : من العناية أيضا بالتحقيق في طلب العلم ، أن تكون همته مصروفة إلى تحصيل المهم منه ،
ليكون حاضرا عنده مهما احتاج إليه لا إلى جمع كتبه ، واقتناء دواوينه . فإن ذلك ، وإن كان مادة التحصيل ، لكنه إن جعل معظم ما به العناية ، كان سببا في إهمال الحفظ ، وتضييع ما لا يجد منه عند الافتقار إليه ، وقد تقدم عن « الخليل » قوله « مشيرا إلى عدم الفائدة بما في الكتب إذا جعل غاية ما به الاهتمام .
ليس بعلم ما حوى القمطر * ما العلم إلا ما وعاه الصدر » « 1 »
وما زال الناس يعيبون من لا يعتني إلا بذلك بدلا عن التحصيل في النفس
هامش
( 1 ) جامع العلم : 1 / 68 .