مخافة أن يشتغل عن التفقه في دين اللّه تعالى ، وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم وفيما يعين على ذلك ، ويمد بقوة التبصر فيه ، والتحقق بمعانيه ، إذ لا خفاء أن ذلك هو المقصود الأعظم من حمل الشريعة ليعمل بما فيها .
قال الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي - رحمه اللّه - : « لا أن يكون الإنسان كالدفاتر الممتلئة علما وحكمة » .
قلت : وما هو على خلاف ذلك باعتبار عدم الاعتماد عليه كما حكى الشيخ أبو عمر : « بسنده إلى « ابن شوذب » « 1 » عن « مطر » « 2 » أنه سأله رجل عن « حديث » فحدثه به ، فسأله عن تفسيره ، فقال : لا أدري . إنما أنا زاملة ، فقال له الرجل : جزاك اللّه من زاملة خيرا ، فإن عليك من حلو وحامض . قال الشيخ أبو عمر : طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم دون تفقه فيه ، ولا تدبر لمعانيه ، مكروه عند جماعة أهل العلم » « 3 » .
قال الأستاذ أبو إسحاق : « وهو كما قال : فإن في الإكثار شغلا يقطع به العمر عن الرجوع إلى التفقه » .
وقال « ابن الصلاح » - وفيه تنبيه على خيبة المقتصر على الرواية - : « لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على سماع الحديث وكتبه دون معرفته وفهمه .
فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل ، وبغير أن يحصل في عداد أهل الحديث ، بل لم يزد على أن صار من المتشبهين المنقوصين المتحلين بما هم منه عاطلون . . .
ثم أنشد للأديب فارس بن الحسين :
هامش
( 1 ) هو عبد اللّه بن شوذب ، أبو عبد الرحمن البلخي ت : 150 ه - 767 م . أخرج له الأربعة ، والبخاري في الأدب المفرد . انظر التهذيب : 5 / 255 .
( 2 ) مطر الوراق أبو رجاء الخراساني السلمي ت : 140 ه - 757 م ، تابعي ، روى عن أنس وغيره ، صدوق ، وربما أخطأ ، كان معجبا برأيه : قتله المنصور ، انظر التهذيب : 10 / 167 - 169 .
( 3 ) جامع العلم : 2 / 127 .