أن « الشارمساحي » « 1 » رحل إلى « بغداد » سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بأهله وولده ، وصحبه جماعة من الفقهاء ، فتلقاه الخليفة المستنصر باللّه « 2 » بالترحيب والإقبال ، وبلوغ الآمال ، وكان دخوله إلى « بغداد » سابع عشر المحرم .
فلما كان في عاشر صفر استدعي إلى دار الوزارة . وأخلع عليه خلعة خليفية سوداء وعمامة ، وطرحة ، وأعطي بغلة بمركب جميل ، وولي تدريس « المدرسة المستنصرية » ، وكذلك فعل بالمدرسين بالمدرسة المذكورة من الخلع ، والمراكب .
وكان أول من أنشأها الخليفة ، وأمر الخليفة أن يحضر عنده جميع المدرسين بجميع المدارس ببغداد ، وجميع أرباب الدولة ، وحجاب الديوان فحضروا ، وخطب خطبة بليغة فصيحة بصدر منشرح ، وأمل منفسح ، وذكر اثني عشر درسا ، وألقى عليه بعض العلماء مسألة بيوع الآجال ، فقال : أذكر فيها ثمانين ألف وجه . فاستغرب فقهاء بغداد من ذلك ، فشرع يسردها عليهم إلى أن انتهى إلى مائتي وجه ، فاستطالوها ، وأضربوا عن سماعها ، واعترفوا بفضل الشيخ ، وسعة علمه » .
قلت : مثل هذا عن مشاهير الحفاظ معروف قديما وحديثا ، إلا أنا لم نسمع عن أهل هذه الأزمنة المتأخرة من ذلك أعجب مما « كان يبلغنا عن الشيخ الفقيه الحافظ المحدث : « أبي القاسم بن موسى العبدوسي الفاسي « 3 » » نزيل
هامش
( 1 ) شارمساح : قرية كبيرة كالمدينة بمصر ، . . . من كورة الدّقهلية / معجم البلدان : 3 / 308 .
والشارمساحي : هو عبد اللّه بن عبد الرحمن المغربي الأصل ، الشارمساحي المولد ، الإسكندري المنشأ والدار ، ت : ( 669 ه - 1271 م ) فقيه ، أصولي ، من تآليفه : « نظم الدرر » في اختصار المدونة . و « الفوائد » في الفقه و « التعليق » في علم الخلاف ، و « شرح الجلاب » ، انظر الديباج : 1 / 448 - 450 .
( 2 ) المستنصر باللّه : منصور بن محمد ( الظاهر بأمر اللّه ) خليفة عباسي . تولى الخلافة سنة : 623 ه ، وهو باني المدرسة المستنصرية ببغداد للمذاهب الأربعة ، وجعل فيها دار حديث ، وحماما ، ودار طب ، ووقف عليها أوقافا عظيمة : البداية : 13 / 139 .
( 3 ) أبو القاسم عبد العزيز بن موسى بن معطي العبدوسي ت : 837 ه - 1433 م نزيل تونس ، نعته صاحب نيل الابتهاج بالإمام الحافظ الفقيه المحدث العلامة الجليل حامل لواء المذهب والحفظ في وقته ، انظر درة الحجال : 3 / 281 - 282 ، والنيل : 179 .