تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام — صفحة 855

مساهمون:

ص٨٥٥
قال الماوردي : « وربما اعتنى المتعلم بالحفظ من غير تصور ولا فهم ، حتى يصير حافظا لألفاظ المعاني ، قيما بتلاوتها ، وهو لا يتصورها ، ولا يفهم ما يتضمنها ، يروي بغير روية ، ويخبر عن غير خبرة ، فهو كالكاتب الذي لا يدفع شبهة ، ولا يؤيد حجة » ا ه « 1 » . وفي ذلك يقول الأستاذ : أبو بكر الجزار السرقسطي « 2 » - رحمه اللّه - :
ودارس كتب العلم لا فهم عنده * كساع بلا جد لإدراك مأرب 282 ظ ينال من العلم الذكي نصيبه * وإن هو لم يعكف عليه ويدأب وما تنفع المرء الغبي دراسة * أينتفع الأعمى بكحل مجرب
وإذا كان سبب ذلك بلادة في الطبع ، وضعف إدراك في الفهم ، فهو كما قال الماوردي : « الداء المعيي « 3 » . قال : وقد قالت الحكماء : إذا فقد العالم الذهن ، قل على الأضداد احتجاجه ، وكثر إلى الكتب احتياجه . قال : وليس لمن بلي به إلا الصبر والإقلال ، لأنه على القليل أقدر ، وبالصبر أجدر أن ينال ويظفر . قال : وليس يقدر على الصبر من هذه حالته إلا أن يكون غالب الشهوة ، بعيد الهمة ، فيشعر قلبه الصبر لقوة شهوته ، ويكلف جسده احتمال التعب لبعد همته . فإذا يلوح له المعنى بمساعدة الشهوة ، أعقبه ذلك إلحاح الآملين ، ونشاط المدركين ، فقل عنده كل كثير ، وسهل عليه كل عسير . ففي الحديث : « إنكم لا تنالون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون ، ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون » . قيل في منثور الحكم : « أتعب قدمك ، فكم من تعب قدّمك » ، قيل : « إذا اشتد الكلف هانت الكلف » .
هامش
( 1 ) أدب الدنيا : 24 . ( 2 ) يحيى الجزار السرقسطي أورد له بعضا من أشعاره صاحب النفح في : 3 / 404 و 464 و 548 و 598 و 609 وفي : 4 / 159 . والذخيرة : 3 / 905 - 909 . ( 3 ) في أدب الدنيا : ص 33 ، الداء العياء .