فلما ورد ابن خروف وسلم عليه . قال له : يا سيدي ، رحلت من الأندلس إليك لآخذ عنك هذا الكتاب - يعني : سيبويه - فقال له : نعم ، ولكن تفتقدني ، ويكون ذلك على سعة ، فلما 274 ظ / / كان في اليوم الثالث من وصوله ، حضر معهم ، وانفصل . قال لهم الشيخ : إن شقة « 1 » سرقت لي من بيتي ، وإن الذي سرقها هو ذلك الأندلسي الذي جاء يقرأ علينا ، ولا بد ، فقالوا له : لا تفعل . إنه من أمره وشأنه . . . فقال لهم : ما أخذها إلا هو ؛ وإنما كان يختبر جدّه بذلك .
فقال لهم : قولوا له ذلك ليرد ثمنها . فصعب عليهم قول ذلك . فلما لم يجدوا من ذلك بدا ، أرسلوا إليه واحدا منهم ، فلما أعلمه بذلك قال له : نعم ، إني وصلت ولم يكن بيدي شيء أنفقه ، فسرقتها وبعتها ، فارجعوا إلى الشيخ ، وقولوا له : كم قيمتها ؟ وأدفع له ذلك . فرجعوا إلى الشيخ ، وأعلموه ، فقال لهم : ألم أقل لكم سارق ؟ ! قولوا له : يعطي كذا وكذا . . .
فلما أصبح الصباح جاء ابن خروف إلى الشيخ للقراءة ، واجتمع الطلبة ، فلما قرءوا « الدولة » قام ابن خروف ، وقبل يديه ، وقال له : يا سيدي ، قد فعلت ذلك ولا أعود ، وأنا أستغفر اللّه ، وهذه قيمتها ، ودفع له قرطاسا ممتليا بالدراهم ، فأخذه الشيخ منه ، وبقي ابن خروف على قراءته ، ولم يتغير منه شيء ، ولا أهمه ذلك ، فلما كان بعد زمان طويل ، اجتمع الطلبة كلهم ، فقال لهم الشيخ هكذا واللّه يطلب العلم . وهكذا واللّه يكون الجد ، إن الأمر على غير ما كنت ذكرته لكم ، وإني كنت أختبره بتلك القضية ، فاعرفوا له فضله ، واقدروا قدره ، ولكني سأنفعه نفعا عظيما - إن شاء اللّه - .
فأقرأه الشيخ « سيبويه » ، ونفعه ، ونصحه نصحا عظيما حتى إنه لم يعمل مع أحد ما عمل معه » انتهى المراد منها .
التاسع ] : احتمال المجانبة له من أكثر الناس ، ومباعدتهم للقرب منه ، واستثقالا لجانبه ، وهروبا عما يدني من الملابسة به ، لما يرون - زعموا - من
هامش
( 1 ) الشقة : جنس من الثياب . اللسان : - شقق - .