متعجبين ، وبه معتبرين حتى قيل لبرزجمهر : ما أعجب الأشياء ؟ قال : نجح الجاهل ، وإكداء « 1 » العاقل ، لأن الرزق بالقسم « 2 » والحظ ، لا بالعلم والعقل ، حكمة منه تعالى يدل بها على قدرته ، وإجراء الأمور على مشيئته » « 3 » . انتهى ملخصا .
وفيه أوضح تقرير في الكشف عن علة هذه المجانبة ، مع البيان التام في إهدار الالتفات إليها ، وإلغاء الاعتبار بها ، وإذا كان ذلك من أظهر ما يتحقق عند المشتغل بطلب العلم . وإن كان سفه الجهل لا يزيد صاحبه إلا تماديا على الضلالة ، وإصرارا على عماية الجهل بالحقائق ، فلا مرجع له إلا للصبر على احتمال هذا النوع من الشدائد التي تعترض في طلب العلم ، ويسهل عليه ذلك أن ينظر إلى مجانبه بالعين التي ينظر هو بها إليه ، ليذهب عن نفسه وحشة النفور عنه ، فإنه لم يصدر إلا عن ساقط الاعتبار عنده ، وفي نفس الأمر كما أشار إليه الشافعي - رضي اللّه عنه - في قوله :
« ومنزلة السفيه من الفقيه * كمنزلة الفقيه من السفيه
فهذا زاهد في قرب هذا * وهذا فيه أزهد منه فيه
إذا غلب الشقاء على سفيه * [ تنطع ] « 4 » في مخالفة الفقيه » « 5 »
تنبيه على [ مغلطة ] « 6 » :
قد يعرض هذا الخيال الناشئ عن رؤية إقبال الدنيا على الجهال وإدبارها بالكلية عن المشتغلين بالعلم لمن عرض له هذا الإدبار من المتصفين بالعلم ، فيحمله على أن يشارك الجهال في النفرة عن العلم والتزهيد في الانقطاع إليه ،
هامش
( 1 ) الإكداء ، أكدى الرجل إكداء : لم يظفر بحاجته .
( 2 ) القسم : النصيب من الخير .
( 3 ) انظر أدب الدنيا : 23 - 24 .
( 4 ) في الأصول : تقطع .
( 5 ) أدب الدنيا : 20 .
( 6 ) في « أ » : مغلظه .