ومن ذلك ما حكاه عن بعض العلماء وقد قيل له : « ما بلغ من سرورك بأدبك وكتبك ؟ .
قال : هي إن خلوت لذتي ، وإن اهتممت سلوتي ، وإن قلت : إن زهر البستان ، ونور الجنان يجلوان الأبصار ، ويمتعان بحسنهما الألحاظ ، فإن بستان الكتب ، يجلو العقل ، ويشحذ الذهن ، ويحيي القلب ، ويقوي القريحة ، ويعين الطبيعة ، ويبعث نتائج النفوس ، ويستثير دفائن القلوب ، ويمتع في الخلوة ، ويؤنس في الوحشة ، ويضحك بنوادره ، ويسرّ بغرائبه ، ويفيد ولا يستفيد ، ويعطي ولا يأخذ ، وتصل لذته إلى القلب من غير سآمة تدرك ، ولا مشقة تعرض لك » ا ه .
تنبيه :
انتفاع طالب العلم بمطالعة الكتب شرط فيه الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي - رحمه اللّه - شرطين :
« أحدهما : أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ، ومعرفة اصطلاحات أهله ما يتم له به النظر في الكتب .
قال : وذلك يحصل من مشافهة العلماء ، أو مما راجع إليه ، وهو معنى قول من قال : « كان العلم في صدور الرجال ، ثم انتقل إلى الكتب ، ومفاتحه بأيدي الرجال » . والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئا دون فتح العلماء ، وهو مشاهد معتاد .
الثاني : أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد ، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين .
قال : وأصل ذلك : التجربة والخبر . أما التجربة : فهو أمر مشاهد في أي علم كان ، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم .
وأما الخبر : ففي الحديث : خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . وهو يشير إلى [ أن ] « 1 » كل قرن مع ما بعده كذلك » « 2 » .
هامش
( 1 ) ساقطة من « أ » .
( 2 ) انظر الموافقات : 1 / 97 .