وصية :
إذا كان فقر المريد لطلب العلم ، بحيث لا يجد لأجله ما يحسب في العادة لائقا من اللباس بالمشتغلين بالطلب ، فلا يمتنع بسبب ذلك من الشروع فيه ، لأن السلف ما كانوا يتخصصون بزي يتميزون به . وإنما حدث ذلك فيما بعدهم . وحينئذ فلا ينبغي أن يمتنع من الاشتغال بالطلب عند العجز عن ذلك النوع من اللباس .
وقد نبّه على ذلك ابن الحاج ، وقرر ما ينشأ عن ذلك ، فقال : « وانظر - رحمك اللّه - إلى هذه المفسدة التي وقعت بهذا اللباس ، كيف جرت إلى حرمان تعلم العلم ، فلقد رأيت وباشرت من له أولاد يريد أن يشغلهم بالعلم ، فيمتنع عليه ذلك ، لأجل قلة ذات اليد لا يقدر أن يحصل لأحدهم تلك الثياب التي اصطلحوا عليها ، ولا يقدر أن يحضر ولده مجالس العلم لأجل ذلك . وهذا هو المقصود الأعظم لإبليس وجنوده ، لأن العلم به يخالف إبليس ، وبتركه يطاع ، فأي مفسدة أعظم من هذه . . . قال : وسبب هذا كله : الوقوع فيما وقعنا فيه من قلة العلم والفهم ، إذ لو كان لنا علم أو فهم لعرفنا 260 و / / أن الفضائل والخيرات لمن تقدم ، وأن ذاك لا نصل إليه إلا باتباعهم ، فإذا خالفناهم فما يحصل لنا إلا النقيض « 1 » والعياذ باللّه » « 2 » انتهى المراد منه .
وقبل هذا نقل عن فضلاء الشيوخ ما كانوا عليه من اختصار الزي ، وعدم المبالاة بخفة المئونة ، ما فيه أسوة لمن ينسج على منوالهم ، وجرى على منهجهم الواضح في أفعالهم وأقوالهم .
فحكى عن « الشيخ الجليل أبي عبد اللّه القرطبي - رحمه اللّه - أنه كان في بيته يغسل له ثوبه ، ولم يجد شيئا يلبسه ، فلبس ثوب زوجته ، وجلس يشغل ولده حتى تفرغ من غسلها ، ثم احتاج إلى خبز العجين في الفرن ، فأخذ الطبق
هامش
( 1 ) في المدخل : 1 / 154 : النقص .
( 2 ) م . س : 1 / 154 .