قال : فتركته ثم لقيت « سفيان بن عيينة » فسلمت عليه ، فرحب بي ، وقال : قد بلغتنا ولايتك ، فما أحسن ما انتشر عنك ، وما أديت كل الذي للّه عليك ، ولا تعد .
قال : فكانت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع بي ابن أبي يحيى » « 1 » انتهى المقصود منه .
وحكايات غير واحد من العلماء قديما وحديثا في بداية أمرهم بالفقر ، وقلة ذات اليد ، معروفة فلا نطيل بها . وبرهان وجودها شاهد لما تقدم . أن الغالب في طلب العلم ، استقباله بضيق العيش ، وتقتيره ، والمعروف أيضا من أحوال أهل الصدق منهم ، أنهم إذا أقبلت عليهم الدنيا بعد ذلك على يد بعض أهلها لا يعتمدون إلا على اللّه إذ بتقدير أن ينقطع ذلك المدد الواصل إليهم ، فلا عليهم من الرجوع إلى الحالة الأولى ، وإن تعودوا الراحة منها رضى بما قسّم لهم ، وصبرا على شدائد العلم ، وإن صحبت إلى حال النهاية .
كما حكى 259 ظ / / « الخطيب » عن الإمام « أبي عبد اللّه المروزي » المتقدم الذكر .
وسياقه أن « إسماعيل بن أحمد « 2 » والي خرسان ، كان يصله في كل سنة بأربعة آلاف درهم . ويصله أخوه إسحاق بن أحمد بأربعة آلاف درهم . ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف درهم ، فكان ينفقها من السنة إلى السنة من غير أن يكون له عيال ثقيل ! . فقيل له : لعل هؤلاء القوم الذين يصلونك يبدو لهم ، فلو جمعت من هذا شيئا لنائبة ! فقال : سبحان اللّه ! أنا بقيت « بمصر » كذا وكذا سنة ، فكان قوتي ، وثيابي ، وكاغدي وحبري ، وجميع ما أنفقه في السنة عشرين درهما ، فترى إن ذهب هذا ، لا يبقى ذاك » « 3 » ! .
هامش
( 1 ) جامع العلم : 1 / 98 .
( 2 ) الساماني أبو إبراهيم ، ت : 295 ه - 907 م ، ثاني أمراء الدولة السامانية في ما وراء النهر ، كان حازما في سياسته ، لذلك صفا له جو الإمارة ، كما كان له اشتغال بالحديث ، وجمع له بعضهم :
« شمائله » في كتاب ، انظر : الكامل لابن الأثير : 8 / 5 ، والشذرات : 2 / 219 .
( 3 ) تاريخ بغداد : 3 / 317 - 318 .