وحكى البرزلي عن ابن عرفة أن بعض فقهاء تلمسان قال : « كان الطالب لا يأكل حتى يرى الحائط يرقص ، ولا ينام إلا غلبة » .
قلت : وقد تقدمت « 1 » حكاية « السبكي » عن « إمام الحرمين » أنه كان يقول :
« أنا لا أنام ، ولا آكل عادة ، وإنما أنام إذا غلبني النوم ليلا كان أو نهارا ، وآكل إذا اشتهيت الطعام أي وقت كان » . للذته بمذاكرة العلم ، وطلب الفائدة ، وهذا شهير من أحوال المجتهدين في التحصيل قديما وحديثا .
ولذلك قال الحافظ أبو نعيم : « ولا يتملأ من الطعام ، والشراب ، فيقطعه عن الدّرس » ، وخرج لذلك حديث : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطن » الحديث . . .
ولمخافة قطعه عن الدرس ، وذهابه [ بتذكر ] « 2 » المحفوظ . هجر جماعة من ذوي العناية بالعلم ما يتمتع به غيرهم من شهي الطعام ، ولذيذ الشراب ، صيانة لمحفوظهم عن ذهابه ، وصبرا على ترك ما يستطاب ، لما كان يخشى منه الضرر على القوة الحافظة .
ومن أغرب ما يحكى في ذلك : ما ذكره « الخطيب » في « تاريخ بغداد » « 3 » عن ابن الأنباري - رحمه اللّه - وفيه ما يقضى منه العجب ، ومساقه ما رواه عن محمد بن جعفر التميمي النحوي قال : « فأما أبو بكر محمد بن القاسم بن الأنباري ، فما رأيت أحفظ منه ولا أغزر بحرا من علمه .
وحدثني عنه أبو الحسن العروضي قال : 258 و / / اجتمعت أنا وهو عند « الراضي » على الطعام ، وكان قد عرف الطباخ ما يأكل أبو بكر فكان يسوّي قلّية « 4 » يابسة . قال : فأكلنا نحن من ألوان الطعام وهو يعالج تلك القلية ، ثم فرغنا وأوتينا بحلواء فلم يأكل منها ، وقام ، وقمنا إلى الخيش ، فقام بين
هامش
( 1 ) انظر ص 93 ومخ « أ » . ص : 359 - 360 من هذا الكتاب .
( 2 ) في « ج » و « د » : يتذاكر .
( 3 ) انظر : 3 / 183 - 184 .
( 4 ) القليّة : ما قلي فجعل مع الطبيخ ليطيبه .