فهم المعاني على الرجوع إلى الكتب والمطالعة فيها عند الحاجة إليها ، فلا يكون إلا كمن أطلق ما صاده ثقة بالقدرة عليه بعد الامتناع منه فلا تعقبه الثقة إلا خجلا ، ولا التفريط إلا ندما .
قال : وهذه حال قد يدعو إليها أحد ثلاثة أمور :
إما الضجر عن معاناة الحفظ ومراعاته ، أو طول الأمل في التوفر عليه عند نشاطه ، أو فساد الرأي في عزيمته ، أليس يعلم أن الضّجور خائب ، وأن الطويل الأمل مغرور ، وأن الفاسد الرأي مصاب » « 1 » ا ه .
قلت : ومما يعرض لمن يتكل على مراجعة الكتب ما أشار إليه القائل تحذيرا من الاتكال عليها 257 و / / :
عليك بالحفظ قبل الجمع في كتب * فإن للكتب آفات تفرقها
الماء يغرقها والنّار تحرقها * والفار يقرضها واللّصّ يسرقها
فإن كان معتمدا على حفظه وتحصيله لم يجد لفقدها بالغرق وغيره ما يجد من لم يتكل إلا عليها . فحكى الزبيدي عن أبي موسى الهواري « 2 » من أهل « إستجة » « 3 » قال : « وهو أول من جمع الفقه في الدين ، وعلم العرب بالأندلس ، ورحل فلقي « مالكا » ونظراءه . ولقي الأصمعي ، وأبا زيد الأنصاري ، ونظراءهما . وداخل الأعراب في محالها .
قال : ولما صدر عن سفره عطب ببحر « تدمير » « 4 » فذهبت كتبه ، فأخبرني
هامش
( 1 ) أدب الدنيا : 34 .
( 2 ) هو عبد الرحمن بن موسى الهواري أبو موسى من أهل الفقه في الدين ، وأول من جمع الفقه في الدين ، وعلم العرب بالأندلس ، استقضى على بلده أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم ، له كتاب في القراءات ، وكتاب في تفسير القرآن . انظر طبقات الزبيدي : 253 - 254 ، والمدارك :
3 / 343 .
( 3 ) إستجة : بالكسر ثم السكون : اسم لكورة بالأندلس على نهر غرناطة بينها وبين قرطبة عشرة فراسخ . . . انظر معجم البلدان : 1 / 224 .
( 4 ) تدمير : بالضم ثم السكون ، وكسر الميم وياء ساكنة وراءه . كورة بالأندلس تتصل بأحواز كورة جيّان وهي شرقي قرطبة . انظر معجم البلدان : 1 / 371 .