قال : ولا تفهمن من غلونا في الثناء على علم الآخرة ، تهجين هذه العلوم ، فالمتكفلون بالعلوم كالمتكفلين بالثغور ، والمرابطين بها ، والغزاة ، والمجاهدين 249 ظ / / في سبيل اللّه عز وجل ، فمنهم المقاتل ، ومنهم الرّدء ، ومنهم الذي يسقيهم الماء ، ومنهم الذي يحفظ دوابهم ، ويتعهدها ، ولا ينفك واحد منهم عن أجر ، إذا كان قصده إعلاء كلمة اللّه - عز وجل - دون حيازة الغنائم .
قال : فكذلك العلماء . قال اللّه عز وجل :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
.
وقال عز وجل :
هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ
« 1 » . والفضيلة نسبية .
قال : واستحقارنا للصيارفة عند قياسهم بالملوك لا يدل على حقارتهم إذا قيسوا بالكناسين ، ولا تظن أن ما نزل عن الرتبة القصوى ساقط القدر ، بل هو الرتبة العليا : للأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم العلماء الراسخين في العلم ، ثم الصالحين على تفاوت درجاتهم ، وبالجملة :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 2 » ، ومن قصد وجه اللّه - عز وجل - بالعلم أي علم كان نفعه ، ورفعه ، لا محالة » « 3 » .
الأدب الرابع : قال الغزالي : « أن تحترز في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس
سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة ، فإن ذلك يدهش عقله ، ويحير ذهنه ، ويفتر رأيه ، و [ يؤيسه ] « 4 » عن الإدراك والاطلاع . قال : بل ينبغي أن يتلقف أولا : الطريق الحميدة الواحدة المرضية عند أستاذه ، ثم بعد ذلك يصغي إلى المذاهب والشبه ، وإن لم يكن أستاذه مستقلا باختيار رأي
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 163 .
( 2 ) سورة الزلزلة ، الآيتان : 7 و 8 .
( 3 ) ورد مختصرا في « ميزان العمل » : 107 ، وانظر الإحياء : 53 .
( 4 ) في « ج » و « د » : يوليه .