وأما طالب الدنيا فإنه يزداد طغيانا ، ثم قرأ :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
« 1 » » « 2 » .
قلت : رواه الشيخ أبو عمر عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - « منهومان لا تنقضي نهمتهما ، طالب علم ، وطالب دنيا ، هكذا مختصرا .
قال : وروي مرفوعا من حديث أنس ، وغيره ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم » « 3 » .
الخامس : ألا يقتصر على ما يستسهل دون ما يصعب عليه اعتقادا أن ذلك من الفضول الذي يقيم العذر في ترك الاشتغال به ، فإن ذلك قال الماوردي :
« مطية النّوكى ، وعذر المقصّرين » . قال : « ومن أخذ من العلم ما سهل ، وترك منه ما صعب وتعذّر ، كان كالقانص إذا امتنع عليه الصيد تركه فلا يرجع إلا خائبا ، إذ ليس يرى إلا ممتنعا ، كذلك العلم طلبه صعب على من جهله ، سهل على من علمه » « 4 » انتهى المقصود منه .
وقال قبل هذا : « وربما منع من طلب العلم ما يظنه من صعوبته ، وبعد غايته ، ويخشى من قلة ذهنه ، وبعد فطنته ، وهذا الظن اعتذار ذوي النقص ، وخيفة ذوي العجز ، لأن الإخبار قبل الاختبار جهل ، والخشية قبل الابتلاء عجز . قال : 245 و / /
لا تكوننّ للأمور هيوبا * فإلى خيبة يصير الهيوب
قال : وليس وإن تفاضلت الأذهان ، وتفاوتت الفطن ، ينبغي لمن قل منها حظه أن ييأس من نيل القليل ، وإدراك اليسير ، الذي يخرج به من حد الجهالة إلى أدنى مراتب التخصيص . فإن الماء مع لينه يؤثر في صمّ الصخور ، فكيف لا يؤثر العلم الزكي في نفس راغب شهيّ ، وطالب خليّ ، ولا سيما وطالب العلم
هامش
( 1 ) سورة العلق ، الآيتان : 6 و 7 .
( 2 ) أدب الدنيا : 46 .
( 3 ) جامع العلم : 1 / 95 .
( 4 ) أدب الدنيا : 29 .