الأهل ، والولد ، والوطن ، فإن العلائق شاغلة ، وصارفة ،
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
« 1 » ، وكلما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق ، ولذلك قيل : العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك ، فإذا أعطيته كلك ، فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر .
قال : والفكرة المتوزعة « 2 » على أمور متفرقة كانت كجدول تفرق ماؤه ، فنشفت الأرض بعضه ، واختطف الهواء بعضه ، فلا يبقى منه ما يجتمع ، ويبلغ المزرعة » « 3 » ا ه .
قلت : البعد عن الأهل ، والوطن ، يصعب طلبه 239 ظ / / على الإطلاق ، وربما أدى إلى شغل أعظم ما يدخل عليه وهو مقيم بموضعه هذا إن كان تهيأ له ، وأما إن تعذر عليه ، فالأمر أوضح . لكن على الجملة قد يكون ذلك البعد يراد به الرحلة المبتغى بها تحصيل العلم أو مزيده ، وسيأتي ذكرها - إن شاء اللّه تعالى - .
نعم ، أهم ما على المتعلم في مراعاة هذا الأدب أن يجتهد في تقليل علائقه أو قطعها على الجملة إذا أتى مجلس التعليم إذ لا أقل من ذلك ، وإلا تشوش فكره ، وتقسم خاطره ، فلا يحصل ما يعتذر به كما أنشده الزمخشري « للشيخ عبد القاهر » « 4 » في فتى كان يحضر عنده ببدنه ، وقلبه في محرث له ، فقال عبد القاهر :
ما شئت من زهزهة والفتى * بمصقلاباد يسقّي الزّروع » « 5 »
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية : 4 .
( 2 ) في ميزان العمل : ص 97 : مهما توزعت على . . .
( 3 ) م . س : 96 - 97 .
( 4 ) عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني أبو بكر . ت : 471 ه - 1078 م ، واضع أصول البلاغة كان من أئمة اللغة من أهل جرجان ، له شعر رقيق ، من كتبه « أسرار البلاغة » ، « ودلائل الإعجاز » ، و « الجمل » في النحو ، « وإعجاز القرآن » . . . انظر طبقات الشافعية : 3 / 242 ، والنزهة : 363 - 364 ، والإنباه : 2 / 188 .
( 5 ) زه ، زه : كلمة استحسان وقد تستعمل في التهكم ، وزهزهة : مصدر صناعي كما في البسملة والفذلكة .