الفائدة الثانية :
إذا انقطع إلى طلب العلم [ بمبالغته ] « 1 » في قطع العوائق عنه ، وكان مع ذلك عاجزا عن التوكل ، فدخوله في الأسباب لا ينافي تجريده لطلب العلم ، بل هي معينة عليه .
قال ابن الحاج : « وهو أولى به ، بل أوجب من أن يأخذ أوساخ الناس ، يستعين بها على طلب العلم الشريف .
قال : ويكفيه مع ذلك القليل من العلم . وقد يبارك له فيه ، فيصير كثيرا .
قال : وعلى هذا كان حال السلف - رضوان اللّه عليهم - في كونهم لم يكن لهم « معلوم » على سبب من أسباب الآخرة ، وإنما حدثت « الأرزاق » على أعمال الآخرة بعد ذلك ، ومنه دخل الفساد على كثير ممن يتعاطى أسباب الآخرة » « 2 » .
« فعن ذي النون المصري « 3 » : كان الرجل من أهل العلم ، يزداد بعلمه بغضا في الدنيا وتركا لها ، فاليوم يزداد الرجل بعلمه للدنيا حبا ، ولها طلبا ، كان الرجل ينفق ماله على علمه ، ويكسب اليوم بعلمه مالا ، وكان يرى على طالب العلم زيادة إصلاح في باطنه وظاهره . فاليوم ترى على كثير من أهل العلم فسادا في الظاهر والباطن .
قال : فإن قيل : لا يمكن لطالب العلم التسبب في الصنائع ، لأنه قد يخرج به عن سمته ، ووقاره ، وزيه .
هامش
( 1 ) في « ج » و « د » : بياض .
( 2 ) المدخل 2 / 126 - 127 .
( 3 ) هو ثوبان بن إبراهيم الأخميمي المصري أبو الفياض ، أو أبو الفيض . ت : 245 ه - 859 م ، أحد العباد الزهاد المشهورين من مصر ، فهو أول من تكلم في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية .
فاتهم بالزندقة على عهد المتوكل الذي استحضره وسمع كلامه ، ثم أطلقه ، انظر : الوفيات : 1 / 315 - 317 . وتاريخ بغداد : 8 / 393 - 397 .