قال : وحضرت طائفة يرون فيه مثل رأي هذا الجاهل ، ثم أقبل المستدل علي ، وقال لي : واللّه لقد أفحمني بجهله ، وصار سائر الناس المبرءين من هذه الجهالة 238 ظ / / من بين مستهزئ ، أو متعجب ، أو مستعيذ باللّه من جهل مغرب .
قال : وإذا كان المتعلم معتدل الرأي فيمن يأخذ عنه ، متوسط الاعتقاد فيمن يتعلم منه حتى لا يحمله الإعنات على اعتراض المبكتين ، ولا يبعثه الغلو على تسليم المقلدين ، برئ المتعلم من المذمتين ، وسلم العالم من الهجنتين » « 1 » ا ه .
قلت : وأكثر ما يعرض هذا التقليد الناشئ عن الغلو في تعظيم الشيوخ لهؤلاء الآخذين في زمان الصغر الذين نشئوا على اعتقاد وجوب التسليم لهم ، ولم تنهض بهم أدوات التحصيل إلى تحقيق ما اعتقدوا صحته ، فإذا سبق لهم ما ينكره عليهم ذوو البصيرة بحقائق العلوم ، أعرضوا عن ملامهم ، وقلبوا عليهم النكير ، وصمموا على اتباع معظمي شيوخهم ، ولقد اتفق هذا في غير ما علم ، وخصوصا في العلوم الإسلامية ، وإليه يشير الأستاذ « أبو إسحاق الشاطبي » - رحمه اللّه - بقوله :
« ولقد زل بسبب الإعراض عن أصل الدليل ، والاعتماد على الرجال ، أقوام خرجوا بسبب ذلك عن الجادة . واتبعوا أهواءهم بغير علم ، فضلوا عن سواء السبيل » ، وذكر لذلك أمثلة من جملتها : « رأي من أعرض عن النظر في العلم الذي أرادوا الكلام فيه ، والعمل بحسبه ، ثم رجعوا إلى تقليد بعض الشيوخ ، أخذوا عنهم في زمان الصبا الذي هو مظنة لعدم التثبت من الأخذ أو التغافل من المأخوذ عنه . قال : ثم جعلوا أولئك الشيوخ في أعلى درجات الكمال ، ونسبوا إليهم ما أنسوا به من الخطأ أو ما فهموا عنهم على غير الصواب .
هامش
( 1 ) أدب الدنيا : 42 - 43 .