وذكر أيضا في حكاية من « رواية ابن نافع » « 1 » أن « مالكا » لما دخل على هارون الرشيد رفع مجلسه ، وقال لابنيه : قوما فاجلسا بين يدي عمكما . فقاما فجلسا بين يدي مالك . فقال : حدّثهما ، فتغير وجه مالك ، ثم التفت إلى هارون . فقال : إن اللّه رفعك ، وجعلك في موضعك الذي أنت فيه للعلم ، فلا تكن أول من يضع عزّ العلم فيضع اللّه عزك . والتفت هارون إلى ابنيه ، وقال لهما : قوما فإذا مضى عمكما ، فأتيا منزله ، فاسمعا منه ، فلما انصرف مالك ركبا إليه ، ونزلا ، ودقا الباب . فلم يفتح لهما ، فجلسا على الباب والريح تضرب وجوههما بتراب العقيق ، ولما يئسا انصرفا » « 2 » .
وحكي أيضا في أخبار الشافعي « أنه لما قصد أن يأتي مالكا ليأخذ عنه كتب له إلى مالك ، وإلى والي المدينة ، فلما قدمها ، قال لواليها : تبعث إلى مالك يأتيك فتوصيه بي . فقال له الوالي : ليتني إذا ركبت إليه مع حشمي معك ، حتى نأتي بابه ، ونجلس عليه ، حتى تضرب وجوهنا الريح بتراب العقيق ، أذن لنا .
قال الشافعي - رحمه اللّه - : فلما صلينا العصر ، ركب معي ، وصرت إليه معه حتى أتينا العقيق ، وكان منزله ، فنزل بمن معه ، وجلس على بابه ، واستأذن ، فخرجت إليهم جارية ، فقالت : الشيخ يقول لك : إن كنت تريد المسائل فاكتبها في رقعة أجيبك عنها . فقال لها : قولي : إن الأمير قد كتب إلي في حاجة ، فدخلت ، وأبطأت ، 234 و / / ثم التفت إلي وقال : ألم أقل لك ؟ قلت : بلى . ثم خرج مالك ، فجلس ، وقال : ما شاء اللّه . فناوله الأمير الكتاب ، فلما بلغ موضع الشفاعة ، رمى به من يده ثم قال : يا سبحان اللّه ! وصار علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يؤخذ بالوسائل ؟ ! قال : فرأيت الوالي قد تهيب أن يكلمه ، فتقدمت إليه وقلت :
هامش
( 1 ) هو عبد اللّه بن نافع المعروف بالصائغ كنيته أبو محمد : ت : 186 ه - 802 م . كان صاحب رأي مالك ، ومفتي أهل المدينة برأي مالك ، وكان أصم ، أميا لا يكتب ، وكل ما رواه عن مالك كان حفظا ، ومنه سمع سحنون ، وكبار أصحاب مالك ، انظر : المدارك : 3 / 128 - 130 . والديباج :
1 / 409 - 410 .
( 2 ) المدارك : 2 / 19 - 21 .