وأما من حيث التفصيل ، فمن لازم العمل على شاكلة الاعتراف بفضل المعلم عليه : ألا يلتفت إلى ما يهجس في خاطره أنه غير محتاج إليه ، وهو بعد لم يصل إلى تلك الغاية ، لأنه مهما أصغى إلى ذلك قصر في الاعتراف بفضله عليه من حيث الاحتياج إليه في الحال ، وحينئذ فإما أن يحمله على ترك الاشتغال عليه ، فينقطع عن الغاية التي اعتقد الوصول إليها ، أو يبقى على اشتغاله ، وهو غير مراع لهذا الأدب ، وربما عوجل بنقيض ما سوّلت له نفسه حتى يظهر لك كذب دعواها ، والسعيد من اتفق له ذلك فأيقظه . كما يحكى عن « الفراء » فيما ذكره « الزبيدي » أنه قال : « مدحني رجل من النحويين ، فقال : ما اختلافك إلى الكسائي ، وأنت مثله في العلم ، قال : فأعجبتني نفسي ، فناظرته وسألته ، فكأني كنت طائرا يغرف من بحر » « 1 » .
قلت : ومن العمل على مقتضى هذا الأدب ألا يظهر للشيخ عند الكلام بين يديه أنه مستقل بما يلقيه في المراجعة له ، كأنه يغرف عليه بما يحاضر به ، وهو لم يستفده إلا منه ، وهذا من سوء الأدب 231 ظ / / الموجب لمقت الشيخ ، وكفه عن الإفادة بما بقي عنده . كنت يوما مع شيخنا العلامة أبي إسحاق ابن فتوح - رحمه اللّه - بمحل إقرائه من المدرسة اليوسفية بحضرة « غرناطة » - حرسها اللّه - وهو يلقي إلي كلاما في مسألة ، وإذا ببعض من تقدم له اشتغال عليه قد أقبل يريد الجلوس إليه ، فلما علم الشيخ ذلك قطع كلامه ، وأخذ في معنى آخر ، فطالبته بالعودة إلى ما كان بسبيله ، فأشار إلي بما فهمت منه أنه يأمرني بالسكوت . فامتثلت ذلك . وأقبلت على سماع ما انتقل إليه ، فلما قام ذلك الإنسان قلت له : يا سيدي ، رأيتكم أشرتم علي بالسكوت عن الكلام الأول . فقال لي : ذلك الإنسان في عادته معي ، أنه يذاكرني بما سمع مني ، كأنه من عنده ، فكرهت أن أصل الكلام فيما كنت أقرره ، لئلا يعمل معي ما أعلم من عادته ، أو معنى ما قال . وهو على ما سبق في خصوص هذا الأدب جحد لفضل المعلم ، وتقدم بين يديه على فرض اعترافه بالاستفادة منه لما يلقيه بحضرته إذا
هامش
( 1 ) طبقات الزبيدي : 129 .