حصل من معلمه على طائل في الاشتغال عليه . وإذ ذاك فيظهر الاستغناء عنه لا محالة .
ومن نادر ما يحكى في ذلك باعتبار تخلق المعلم الأول ، وحسن إعراضه عن جفاء كافر نعمته ما ألفيته منقولا عن ابن رشيد أنه قال :
حكي عن القرافي « أن بعض الطلبة ابتدأ القراءة عليه بأجرة مدّة ، ثم انتقل عنه إلى « شمس الدين الأصبهاني » « 1 » فقرأ عليه فاستحسنه ، وأقبل يطلب من « الشهاب القرافي » ما بذل له من الأجرة ، محتجا عليه بأنه لم ينتفع منه بقراءته عليه . فقال له : لولا تأنس بصرك بضياء « الشهاب لانطمس بأشعة الشمس » ، وهذا من نوادره .
قال بعض الأئمة : وهذه سنة شرار المبتدئين مع الأئمة الراسخين » ا ه .
الخصلة الثالثة : ترك الإقبال عليه ،
اشتغالا بما يذهله عن تذكر الوقار معه ، واستحضار تأكد الصمت عما يخل بواجب التجلة له ، فمن ذلك : الضحك ، خصوصا مع رفع الصوت به ، فقد جعل « أبو نعيم » التقليل منه من وظائف طالب العلم على الجملة ، وذلك بين يدي معلمه . قال ما نصه : « وليعود نفسه الإقلال من الضحك ، فإن الإكثار منه يميت القلب .
ثم خرّج حديث أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تكثر الضحك ، فإن كثرة الضحك يميت « 2 » القلب » .
هامش
( 1 ) محمد بن محمود السلماني أبو عبد اللّه ، شمس الدين الأصبهاني . ت : 688 ه - 1289 م ، من فقهاء الشافعية بأصفهان ثم استقر آخر أمره في القاهرة مدرسا . من تصانيفه : « شرح المحصول » للرازي ، في أصول الفقه ، و « القواعد » في أصول الفقه ، والدين ، والمنطق ، و « غاية المطلب » في المنطق . انظر طبقات الشافعية : 5 / 41 والبداية : 13 / 315 .
( 2 ) جعل ضمير الفعل يعود على المضاف إليه ، كقول الشاعر :أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارافقد جعل ضمير الفعل يعود على الديار .