قلت : وكلام الشيخ تاج الدّين - رحمه اللّه - في هذا المقام معروف وهو قوله : « ربما أعطاك اللّه فمنعك ، وربّما منعك فأعطاك » . وقوله : « متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع هو عين العطاء » « 1 » .
وفي معنى ما حكي عن بعض المتأخرين ما ذكره الشيخ « أبو بكر بن الشيخ الكبير أبي محمد عبد اللّه بن الحسن القرطبي المالقي » ، أنّه لما ولي مالقة السيد أبو محمد عبد العزيز بن أمير المؤمنين أبي يعقوب ، والتزم القراءة على الشيخ أبي محمد أبيه - رحمه اللّه - وأجرى له في بيت المال ما أغناه عن قبول الأجر ممن كان يقرأ عليه رفع التكليف عنهم جملة .
قال : فحدثني الأستاذ « أبو جعفر ابن غالب » « 2 » قال : لما وردت « مالقة » مقفلي من حضرة مراكش قصدت والدك - رحمه اللّه - في مجلس إقرائه ، فوجدت المجلس غاصّا بوجوه الطلبة ، وذلك بعد انصراف السيد « أبي محمد » عن « مالقة » ، وانقطاع تلك الجراية عنه .
قال : ووجدته قد مسّته الحاجة ، وأضر به الإقلال حتى أفضى به الحال إلى أن كان ينسخ أصوله من أمهات كتبه بخط يده ، ويقيدها بها ، ثم يبيع الأصول فيما ينفقه ويمسك ما انتسخ منها . قال : فأخذت معه في ذلك ، وقلت له : إن هؤلاء الطلبة موفورون ، ولهم قدرة على القيام بوظائفك وكفايتك هذا التعب .
قال : فقال لي : يا أبا جعفر ، إني عودتهم عادة أكره قطعها عنهم ، ولكني رأيت أن اقتصر على إقراء القرآن في أول النهار ، وأشتغل بنسخ هذه الكتب بقيته ، ففي هذا بلغة حتى يأتي اللّه بلطفه أو كلاما هذا معناه » ا ه .
وتقدم « 3 » عن الخليل - رحمه اللّه - ما اتفق له مع سليمان بن حبيب بن
هامش
( 1 ) الحكم : 1 / 60 .
( 2 ) هو محمد بن إبراهيم بن غالب المالقي . ت : في حدود 645 ه - 1247 م . في أقصى بلاد سوس ، سمع بالإسكندرية من أبي الحسن المقدسي ، وكان فاضلا ، وروى بمالقة ورحل إلى المشرق ، وحج ثم رجع إلى الأندلس ، ثم نهض إلى مراكش فتوفي في أقصى السوس . انظر نفح الطيب : 2 / 52 - 53 ، وفيه أن كنيته « أبو عبد اللّه » .
( 3 ) انظر : ص : 108 و - 108 ظ من مخ « أ » . ص : 396 - 397 من هذا الكتاب .