النّحل ، وزعماء الملل ، ولا بد له من مقارعة الأبطال ، ومن الخطب الطّوال ، وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة ، وإلى ترتيب ورياضة . وإلى تمام الآلة ، وإحكام الصّنعة ، وإلى سهولة المخرج ، وجهارة المنطق ، وتكميل الحروف ، وإقامة الوزن ، وأنّ حاجة المنطق إلى الحلاوة والطّلاوة كحاجته إلى الجزالة والفخامة . وأنّ ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب ، وتنثني به الأعناق ، وتزين به المعاني ، ( ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان ، وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة ) « 1 » ، رام إسقاط الراء من كلامه ، وإخراجها من حروف منطقه ، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ، ويناضله ، ويساجله ، ويتأتّى لستره ، والراحة من هجنته ، حتى انتظم له ما حاول ، واتّسق له ما أمّل .
قال : ولولا استفاضة هذا الخبر ، وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا ، ولطرافته معلما ، لما استجزنا الإقرار به ، والتأكيد به ، ولست أعني خطبه المحفوظة ، ولا رسائله المخلدة ، لأن ذلك يحتمل الصنعة ، وإنما عنيت محاجة الخصوم ، ومناقلة الأكفاء ، ومفاوضة الإخوان » ا ه .
قال ابن السيد « 2 » :
« ومما يحكى عنه من تجنبه « للراء » قوله وقد ذكر « بشار بن برد » : أما لهذا الأعمى المشنف « 3 » المكنى بأبي معاذ ، إنسان يقتله ! أما واللّه لولا أن 190 و / / الغيلة « 4 » خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه ، ثم لا يكون إلا عقيليا أو سدوسيا « 5 » .
فقال : الأعمى ، ولم يقل : الضرير ، ولا بشار بن برد . وقال : المشنف ،
هامش
( 1 ) زيادة من م . س : 1 / 15 .
( 2 ) الاقتضاب : 57 - 59 .
( 3 ) المشنف : ما جعل له شنف . والشّنف ج شنوف وأشناف : ما علّق في الأذن أو أعلاها من الحلي .
( 4 ) الغيلة : من الاغتيال .
( 5 ) وبشار بن برد من أصل فارسي . كان أبوه « برد » مولى أم الظباء العقيلية السدوسية ، فكان بشار يدعي أنه مولى لبني عقيل لنزوله فيهم . انظر الأغاني : 3 / 130 .