على أبي الأغلب « 1 » وهو أمير طرابلس ، فتكلم ، وأعرب ، وجاوز المقدار ، فقال له أبو الأغلب : أكان أبوك يتكلم بمثل هذا الكلام ؟ فقال : نعم ، أعز اللّه الأمير وأمية يريد وأمّي أيضا كانت تتكلم بمثل ذلك - فقال أبو الأغلب : ما ننكر للّه أن يخرج بغيضا من بغيضين » ا ه .
وفي « الإفادات والإنشادات » « 2 » للأستاذ أبي إسحاق الشّاطبي - رحمه اللّه - قال : « أفادني صاحبنا الفقيه الكاتب أبو عبد اللّه ابن زمرك « 3 » إثر إيابه إلى وطنه من رحلة العدوة في علم البيان فوائد ، وذكر منها ثلاثا .
إحداها : 189 و / / الفقه في اللّغة ، وهو النظر في مواقع الألفاظ ، وأين استعملتها العرب . ومن مثل هذا الوجه قولهم : قرم « 4 » ، وعام « 5 » ، إذا اشتهى ، لكن لا يستعمل « قرم » إلّا مع اللحم ، ولا يستعمل « عام » إلا مع اللبن ، فنقول :
قرمت إلى اللحم ، وعمت إلى اللبن . وكذلك قولهم : « أصفر فاقع » و « أحمر قان » . ولا يقال بالعكس ، وهذا كثير .
والثانية : تحرّي الألفاظ البعيدة عن طرفي الغرابة والابتذال ، فلا يستعمل الحوشي من اللغات ، ولا المبتذل في ألسن العامّة .
والثالثة : اجتناب كل صيغة تخرج الذّهن عن أصل المعنى ، أو تشوش عليه ، إذ المقصود الوصول في بيان المعنى إلى أقصاه ، والإتيان بما يحصّله سريعا ، ويمكنه في الذهن ، وتحرّي كلّ صيغة تمكّن المعنى في الذهن ، وتحرض السامع على الاستماع .
قال : وأخبرني أن كتاب المغرب يحافظون في شعرهم وكتابتهم على
هامش
( 1 ) أبو الأغلب بن أبي العباس بن إبراهيم بن الأغلب أمير طرابلس .
( 2 ) انظر : ص : 157 - 158 .
( 3 ) هو محمد بن يوسف الصريحي ، المعروف بابن زمرك . ت : 793 ه - 1390 م . شاعر ، كاتب ، وزير ، جعله صاحب غرناطة « الغني باللّه » ، كاتم سره ، ثم المتصرف برسالته وحجابته ، مات مقتولا . انظر : الإحاطة : 2 / 300 - 314 ، وأزهار الرياض : 1 / 63 و 2 / 7 - 206 .
( 4 ) قرم قرما إلى اللّحم : اشتدّت شهوته إلى اللّحم - اللّسان : - قرم - .
( 5 ) عام الرجل إلى اللّبن ، يعام ويعيم عيما وعيمة : اشتهاه : - اللسان - عيم - .