تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
شدت أيديهم إلى الحيطان بالسلاسل ، ونقبت من البيوت التي هم بها إلى غيرها مما يجاورها ، لأن علاج أمثالهم أن يقوموا الليل والنهار ، ولا يقعدون ، ولا يضطجعون ، ومنهم من 180 ظ / / يجلب « 1 » على رأسه ، ويدهن أوراده ، ومنهم من ينهل ، ويعلّ بالدواء ، حسبما يحتاجون إليه ، فدخلت يوما مع ابن أبي خميصة ، وكان المتقلد للنفقة عليهم ، ولتفقد أحوالهم ، فنظروا إليه ، وأنا معه ، فأمسكوا عما كانوا عليه ، فمررت على شيخ منهم تلوح صلعته ، وتبرق للدهن جبهته ، وهو جالس على حصير نظيف ، ووجهه إلى القبلة كأنه يريد الصلاة ، فجاوزته إلى غيره ، فناداني ، سبحان اللّه ! أين السلام ، من المجنون ، ترى أنا أو أنت ؟ فاستحييت منه ، وقلت : السلام عليكم ، فقال : لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الرد عليك ، على أنا نصرف سوء أدبك إلى أحسن جهاته من العذر ، لأنه كان يقال : إن للداخل على القوم دهشة ، اجلس أعزك اللّه عندنا ، وأومأ إلى موضع من حصيره ينفضه كأنه يوسع لي ، فعزمت على الدنو منه ، فناداني ابن أبي خميصة إياك إياك ، فأحجمت عن ذلك ، ووقفت ناحية أستجلب مخاطبته ، وأرصد الفائدة منه . ثم قال : وقد رأى معي محبرة ، يا هذا أرى معك آلة رجلين ، أرجو ألا تكون أحدهما ، أتجالس أصحاب الحديث الأغثّاء أم الأدباء أصحاب النحو والشعر ؟ قلت : الأدباء ، قال : أتعرف أبا عثمان المازني ؟ قلت : نعم ، معرفة تامة ، قال : فتعرف الذي يقول فيه :
وفتى من مازن * ساد أهل البصرة « 2 » أمّه معرفة * وأبوه نكره
قلت : لا أعرفه ، قال : فتعرف غلاما له قد نبغ في هذا العصر معه ذهن ، وله حفظ قد برز في النحو ، وجلس في مجلس صاحبه ، وشاركه فيه ، يعرف بالمبرد ؟ قلت : أنا واللّه عين الخبير به . قال : فهل أنشدك شيئا من عبثات شعره ،
هامش
( 1 ) يجلب على رأسه : أي يمرر يده ، أو يتوعد بشر . ( 2 ) البصرة : والبصرة والبصرة : أرض حجارتها جصّ ، وبها سميت البصرة ، والبصرة أعم ، والبصرة كأنها صفة ، اللسان : - بصر - .