قال : ليس هذا أريد . قال : وكأنك إنما تريد تخير اللفظ في حسن إفهام ، قال :
نعم ، قال : إنّك إن أردت تقرير حجّة اللّه في عقول المتكلّفين ، وتخفيف المئونة على المستمعين ، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين ، بالألفاظ المستحسنة في الآذان المقبولة عند الأذهان ، رغبة في سرعة استجابتهم ، ونفي الشواغل عن قلوبهم ، بالموعظة الحسنة من الكتاب ، والسنة ، كنت قد أوتيت فصل الخطاب ، واستوجبت على اللّه جزيل الثواب .
حكاية :
يختم بها نقل ما كان عليه العلماء من الحفظ لهذه الصناعة ، ومبالغتهم في صونها عن الإهانة لها ببثّها لغير من ليس لها بأهل ، أو لا يقدر صاحبها حقّ قدره .
فذكر ابن بشكوال « 1 » في صلته « 2 » « أنّ أبا بكر بن دريد لما نزل بلد سيراف سئل الجلوس للقراءة عليه ، فأبى ذلك إذ لم ير هنالك من يسوى أن يجلس له فكتب هذه الأبيات وعلّقها في قبلة مسجدهم وهي هذه :
قالوا نراك تطيل الصّمت ، قلت لهم : * ما طول صمتي من عيّ ولا خرس
لكنه أجمل الأمرين منزلة * عندي وأحسن لي من منطق شكس
قالوا نراك أديبا لست ذا خطل * فقلت : هاتوا أروني وجه مقتبس
لو شئت قلت ، ولكن لا أرى أحدا * ساوى الكلام فأعطيه مدى النفس
أأنثر البزّ « 3 » فيمن ليس يعرفه * وأنثر الدرّ للعميان في الغلس »
قلت : ولهذا أصل عن السّلف - رضوان اللّه عليهم - ففي المروي عن
هامش
( 1 ) هو خلف بن عبد الملك بن بشكوال الخزرجي الأنصاري القرطبي ، الأندلسي أبو القاسم . ت :
578 ه - 1182 م . محدث ، حافظ ، مؤرخ ، شاعر ، مشارك في أنواع العلوم ، من تصانيفه :
« الصلة » في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم . . . و « غوامض الأسماء المبهمة » و « الحكايات المستغربة » . انظر : الوفيات : 2 / 240 - 241 ، والديباج : 1 / 353 - 354 .
( 2 ) انظر : ص : 429 - 430 .
( 3 ) البزّ : الثياب أو متاع البيت من الثياب أو السلاح .