تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام — صفحة 599

مساهمون:

ص٥٩٩
متأخريهم في إعراضهم عن النظر إلى جانب اللفظ وتحسين العبارة ، وصرف عنايتهم إلى تحصيل المعاني على أيّ وجه دلت عليه الألفاظ ، وإفادتها العبارات حتى أنهم يأتون بكلام يحاكي الشعر وليس به لا في الوزن ولا في القافية . وقد وقفت لبعض العصريين « أن الشيخ الولي الشهير أبا عبد اللّه محمد الهواري « 1 » نزيل وهران ، لمّا ألّف « السهو » الذي عمل على « التنبيه » أخذه الفقيه أبو زيد عبد الرحمن المعروف بالمقلاش ، فوزن فيه أشياء ، وأعرب فيه أشياء ، فأتى به إلى الشيخ ، فقال له : يا سيدي ، إنّي أصلحت « سهوك » . فقال له الشيخ : هذا السهو يقال له : سهو المقلاش ، وأمّا سهوي هو سهو الفقراء ، إنما ينظر فيه إلى المعنى ، ومن أين العربية والوزن لمحمد الهواري ؟ ! بل سهوي يبقى على ما هو عليه » . قلت : وفي مراعاة هذا المعنى على الجملة أنشد غير واحد :
سبيلي لسان كان يعرب لفظه * فيا ليته من موقف العرض يسلم وما ينفع الإعراب إن لم يكن تقى * وما ضر ذا تقوى لسان معجّم
وحكى ابن قتيبة في عيون الأخبار « 2 » مما يرجع إليه كذلك في الجملة : « أنّه قيل لعمرو بن عبيد ما البلاغة ؟ فقال : ما بلّغك الجنّة ، وعدل بك عن النار ، وما بصرك مواقع رشدك ، وعواقب غيّك ، قال السائل : ليس هذا أريد ، قال : من لم يحسن الاستماع لم يحسن القول ، قال : ليس هذا أريد . قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّا معشر الأنبياء بكاء » « 3 » ، وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله ، 175 و / / قال : ليس هذا أريد . قال : كانوا يخافون من فتنة القول ، ومن سقطات الكلام ما لا يخافون من فتنة السكوت ، ومن سقطات الصمت .
هامش
( 1 ) هو محمد بن عمر الهواري . ت : 843 ه - 1439 م . متصوف ، فقيه ، مالكي ، كان زاهدا ، متقشفا ، متباعدا عن الملوك والأمراء ، له تآليف منها : « السهو والتنبيه » منظومة غير معربة ولا قائمة الأوزان ، و « التسهيل » ، و « التبيان » ، و « تبصرة السائل » . انظر النيل : 303 - 304 . ( 2 ) انظر : 2 / 170 - 171 ، والبيان والتبيين : 1 / 68 . ( 3 ) البكاء : ج بكيء : وهو ما قل كلامه خلقة .