فحكى ابن خلكان « 1 » عن الإمام الشهير أبي محمد ابن بري « 2 » من شيوخ أبي موسى الجزولي « 3 » صاحب « المقدمة في النحو » : « أنه كان لا يتكلف في كلامه ، ولا يتقيد بالإعراب ، بل يسترسل في حديثه كيفما اتفق ، حتى قال يوما لبعض تلاميذه ممن يشتغل عليه بالنحو : « اشتر لي قليل هندبا بعروقو » ، ( فقال التلميذ : هندبا بعروقه ) « 4 » ، فعزّ عليه كلامه ، وقال له : لا تأخذه إلا « بعروقو » وإن لم يكن « بعروقو » فما أريده .
قال : وكانت له ألفاظ من هذا الجنس لا يكترث بما يقوله ، ولا يتوقف على إعرابها » .
مزيد بيان :
مما يتأكد به اجتناب الإعراب مع العوام ، زائدا على ما تقدم اتقاء ما صدر منهم لمن خاطبهم به ، وبما هو من نوعه غفلة أو تقصيرا في صونه عن مقابلتهم به ، فلقي من ذلك ما خلدت نوادره ، يتضاحك منها ما بقي الدهر ، وحسبك بهذا إهانة للعلم ، وانحطاطا لرتبة حامله .
فمن ذلك ما يروى عن الكسائي قال : « حلفت ألا أكلم العامة إلا بما يوافقهم ، ويشبه كلامهم ، فوقفت على نجار فقلت : « بكم هذان البابان ؟ فقال :
هامش
( 1 ) الوفيات : 3 / 109 .
( 2 ) هو عبد اللّه بن بري بن عبد الجبار المقدسي الأصل المصري أبو محمد . ت : 582 ه - 1187 م .
من علماء العربية النابهين ، ولي رئاسة الديوان المصري ، من مصنفاته : « الرد على ابن الخشاب » ، وغلط الضعفاء من الفقهاء » ، و « شرح شواهد الإيضاح » . انظر الوفيات : 3 / 108 - 109 ، والبغية : 2 / 34 .
( 3 ) هو عيسى بن عبد العزيز الجزولي البربري المراكشي . ت : 607 ه - 1210 م . من علماء العربية ، تصدر للإقراء بألمرية ، وولي خطابة مراكش ، من كتبه : « الجزولية » و « شرح أصول ابن السراج » ، و « شرح قصيدة بانت سعاد » ، و « الأمالي » في النحو . . . قال ابن خلكان : و « الجزولي : بضم الجيم والزاي » . انظر : الوفيات : 3 / 488 - 491 ، والبغية : 2 / 236 - 237 .
( 4 ) زيادة من الوفيات : 3 / 109 .