كثرت ، وأفسدت من ألسن العرب ، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم ، ويعربون به كتاب اللّه عز وجل ، فأتى ذلك أبو الأسود ، وكره إجابة زياد إلى ما سأل ، فوجد زياد رجلا ، وقال له : اقعد في طريق أبي الأسود ، فإذا مر بك ، فاقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن فيه .
ففعل ذلك ، فلما مر أبو الأسود رفع الرجل صوته بالقراءة فقرأ :
« أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ »
، فاستعظم ذلك أبو الأسود ، وقال : عز وجه اللّه أن يبرأ من رسوله ، ثم رجع من فوره إلى زياد فقال له : يا هذا قد أجبتك إلى ما سألت . ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن ، فابعث إلي بثلاثين رجلا .
فأحضرهم زياد ، فاختار منهم أبو الأسود عشرة ، ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس فقال : خذ « المصحف » وصبغا يخالف لون المداد ، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف ، وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى جانب الحرف ، وإذا كسرتها فاجعل النقطة في أسفله ، فإن أتبعت شيئا من هذه الحركات غنة ، فانقط نقطتين . فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره ، ثم وضع 133 ظ / / « المختصر » المنسوب إليه بعد ذلك » « 1 » اه .
تنبيه :
قال ابن خاتمة - ومن خطه نقلت : « سأل بعض الأصحاب عن فعل زياد هذا ، هل هو من الجائز لمكان ما اقترن به من القصد ، فيكون هذا القصد عذرا للمجتهد في الأمر بذلك ؟ قال : والجواب أن ذلك حرام للآمر به والمأمور ، ولا عذر في مثل ذلك لزياد ، لأن تحريف الكتاب العزيز حرام باتفاق ، وقد يكون في كثير من الصور كفر ، وحظره معلوم من دين الأمة بالضرورة ، فلا مساغ له بوجه إلا أن يكون ذلك من سقطات زياد ، فقد كان له سقطات لا يسلمها أهل الدين ، وإن كان من الدهاة في أمر الدنيا - أعاذنا اللّه من عثرات الألسنة » .
قلت : وما قاله بيّن لا سيما وذلك المرتكب لم تدع إليه ضرورة ، فإن
هامش
( 1 ) إيضاح الوقف : 1 / 39 - 41 .