وخرج مع المشايخ إلى المعسكر وصحب العميد الكندري « 1 » فطوف معه ، وتلقى الأكابر حتى اشتهر ذكره ، وحج ، وجاور بمكة أربع سنين يدرس ويفتي ، ويجمع طرق المذهب إلى أن رجع إلى بلده بنيسابور ، وأقعد للتدريس في النظامية « 2 » ، وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة غير مدافع ، ولا ممانع ، وسلم له المحراب ، والمنبر ، والخطابة ، والتدريس ، ومجلس التذكير ، وظهرت تصانيفه ، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ستمائة رجل ، وتخرج به جماعة من الأئمة الفحول ، وصار أكبر عنايته في آخر زمانه مصروفا إلى تصنيف الكتاب الكبير المسمى ب « نهاية المطلب في دراية المذهب » حتى حرره وأملاه وأتى فيه من البحث والتقرير والسبك ، والتدقيق ، والتحقيق بما شفى الغليل وأوضح السبيل » « 3 » .
قال الباخرزي « 4 » : « أبو المعالي الجويني فتى الفتيان ، ومن أنجب به الفتيان « 5 » ، ولم يخرج مثله المفتيان : النعمان بن ثابت ، ومحمد بن إدريس « 6 » فالفقه فقه الشافعي ، والأدب أدب الأصمعي ، وحسن بصره بالوعظ كالحسن البصري ، وكيفما كان فهو إمام كل إمام ، والمستعلي بهمته على كل همام ، والفائز بالظفر على إرغام كل ضرغام ، إذا تصدر للفقه 124 و / / ، فالمزني « 7 » من
هامش
( 1 ) هو محمد بن منصور بن محمد الكندري أبو نصر . ت : 456 ه - 1064 م ، عميد الملك أول وزراء الدولة السلجوقية ( التركمانية ) ولما توفي السلطان طغرل بك ، وخلفه عضد الدولة ألب أرسلان السلجوقي أمر عضد الدولة بالقبض على الكندري حيث مكث معتقلا عاما كاملا ثم دخل عليه غلامان فقتلاه ، وحملا رأسه إلى عضد الدولة . انظر : الوفيات : 5 / 138 - 143 .
( 2 ) المدرسة النظامية : التي بناها الوزير نظام الملك واستتم بناءها سنة 458 ه - 1066 م . انظر : تاريخ آل سلجوق : 31 - 32 .
( 3 ) انظر طبقات الشافعية : 5 / 175 - 177 .
( 4 ) هو علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي المقتول سنة 467 ه - 1075 م . كان شافعي المذهب ، أديبا ، ناثرا ، محدثا ، من آثاره : « دمية القصر » و « عصرة أهل العصر » في طبقات الشعراء ، و « ديوان شعر » ، و « الأربعون » في الحديث . انظر الوفيات : 3 / 387 - 389 ، ومعجم الأدباء : 13 / 33 - 48 .
( 5 ) الفتيان : الليل والنهار - اللسان - فتا .
( 6 ) صاحبا المذهبين : الحنفي والشافعي .
( 7 ) هو إسماعيل بن يحيى المزني ( نسبة إلى مزينة إحدى قبائل اليمن ) المصري ، الشافعي -