العلم الثاني : القراءات :
وقد تقدم أن لأئمة هذا الفن مبالغة عظيمة في حفظ القراءة من اللحن ، وذلك أوضح شاهد على اعترافهم بالافتقار إلى العربية ، إذ لا بد من الرجوع إليها في صحة القراءة ، على ما سبقت الإشارة إليه .
وأما تصريحهم : بوجوب العلم بها على الجملة في حق المتصدر لإقراء القرآن ، وأخذ الأداء عنه مجودا ، فاسمع من ذلك ما هو أبلغ مما تقدم عنهم .
فقال الإمام أبو بكر ابن مجاهد : « ومن حملة القرآن ، المعرب ، العالم بوجوه الإعراب والقراءات ، العارف باللغات ومعاني الكلام ، البصير بعيب القراءة ، المنتقد للآثار ، فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين . ومنهم من يعرب ولا يلحن ، ولا علم له بغير ذلك ، فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته ولا يقدر على تحويل لسانه ، فهو مطبوع على كلامه .
ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذه عنه ، ليس عنده إلا الأداء لما تعلم ، لا يعرف الإعراب ، ولا غيره فذلك الحافظ ، ولا يلبث مثله أن ينسى 117 و / / إذا طال عهده ، فيضيع الإعراب لشدة تشابهه ، وكثرة ضمه ، وفتحه ، وكسره في الآية الواحدة ، لأنه لا يعتمد على علم بالعربية ، وبصر بالمعاني يرجع إليه ، وإنما اعتماده على حفظه ، وسماعه ، وقد ينسى الحافظ فيضيع السماع ، وتشتبه عليه الحروف ، فيقرأ بلحن لا يعرفه ، وتدعوه الشبهة إلى أن يرويه عن غيره ، ويبرئ نفسه ، وعسى أن يكون عند الناس مصدقا ، فيحمل ذلك عنه ، وقد نسيه وأوهم فيه ، وجسر على لزومه والإصرار عليه ، أو يكون قد قرأ على من نسي ، وضيع الإعراب ، ودخلته الشبهة ، فتوهم بذلك ، لا يقلد في القراءة ، ولا يحتج بقوله .
ومنهم من تعرف قراءته ، ويبصر بالمعاني ، ويعرف اللغات ، ولا علم له بالقراءات ، واختلاف الناس والآثار ، فربما دعاه بصره بالإعراب إلى أن يقرأ