فأعطه إياها ، قال : فلم أدركه ، وقد دخل بيته ، فقرعت الباب عليه فخرج ، فأعطيته المال 109 ظ / / فقال : أبلغ أمير المؤمنين السلام ، وقل له : كيف رأيت قولي : « سعيت فأكديت ، ورجعت إلى بيتي ، فأتاني فيه الرزق » » « 1 » .
تمثيل : يتضح به سفاهة رأي من رجح المال على العلم حتى طلب المال به .
قال الغزالي : « من طلب بالعلم المال كان كمن مسح نجاسة نعله لينظفه ، فجعل المخدوم خادما ، والخادم مخدوما ، وهذا الانتكاس على أم الرأس » .
ومثله هو الذي يقوم في العرض الأكبر مع المجرمين ناكسي رؤوسهم عند ربهم .
سابقة قدر :
ربما تطمح نفس المتأدب بهذه الصناعة إلى أن ينال بها حظوظ الدنيا ، وخصوصا من غلب عليه الشعر ، وما في معناه من أنواع فنونها ، فلا يقدر له بشيء من ذلك ، فينفث له بالشكوى نفث مصدور ، ويتأسف على فوات ما يراه لغيره أيسر مقدور ، وربما رمى ذلك الأدب بالشؤم والحرفة « 2 » ، واعتقد أن صاحبه مباح الحمى ، وإن كان « أمنع من أم قرفة » « 3 » .
قال صاحب زهر الآداب : « وللحمدوني « 4 » في ذلك أشعار مستظرفة ، فمما أنشد له قوله :
ثنتان من أدوات العلم قد ثنتا * عنان شأوي عما رمت من همم
هامش
( 1 ) انظر درة الغواص : 183 - 184 .
( 2 ) الحرفة : الحرمان وسوء الحظ ( ومنه لحقته حرفة الأدب : لحقه شؤم الأدب ) .
( 3 ) يقال : « أمنع من أم قرفة » أو « أعز من أم قرفة » : وهي امرأة فزارية ، كانت تحت مالك بن حذيفة ، وكان يعلق في بيتها خمسون سيفا لخمسين رجلا كلهم لها محرم . انظر : مجمع الأمثال : 2 / 45 و 323 .
( 4 ) هو إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه . ت : نحو 260 ه - 874 م ، وجده حمدويه صاحب الزنادقة على عهد الرشيد ، بصري ، مليح الشعر ، اشتهر بقوله في طيلسان بن حرب ، وله هجاء في الجاحظ والمبرد ، له ديوان شعر . انظر الفوات : 1 / 173 - 177 .