الثانية : ما ذكره ابن العربي في « العارضة » « 1 » « مسندا أن أبا حنيفة - رحمه اللّه - كان له جار بالكوفة إسكاف ، كان يعمل نهاره أجمع حتى إذا جنه الليل ، رجع إلى منزله ، وقد حمل لحما فطبخه ، أو سمكة فشواها ، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غزل بصوت وهو يقول :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر 104 ظ / /
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم ، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته ، وكان يصلي الليل كله ، ففقد صوته فسأل عنه ، فقالوا : سجنه الأمير ، فسار إليه ، فسأله ، فقال له : يطلق ، ويطلق معه من أخذ تلك الليلة ، فركب أبو حنيفة والإسكاف وراءه ، فقال له أبو حنيفة : يا فتى ، أضعناك ، فقال له : بل حفظت ورعيت ، جزاك اللّه خيرا عن حرمة الجار ، وتاب الرجل » اه .
الحكاية الثانية :
قال الأصمعي : « استدعاني الرشيد في بعض الليالي وقد تصرمت قطعة من الليل ، فراعني رسوله ، ولم أفتأ أن مثلت بين يديه ، وإذا في المجلس يحيى بن خالد . . . ، وجعفر « 2 » والفضل « 3 » ، فلما لحظني الرشيد استدناني ، فدنوت ، فتبين ما بنفسي من الوجل ، فقال :
ليفرخ « 4 » روعك ، فما أردناك إلا لما يراد له مثلك ، فمكثت هنية إلى أن ثابت إلي نفسي بعد أن كادت تطير شعاعا . فقال : إني نازعت هؤلاء ، وأشار إلى يحيى وجعفر ، والفضل ، في أشعر بيت قالته العرب في التشبيه ، ولم يكن
هامش
( 1 ) انظر : 8 / 125 - 126 ، وواردة أيضا مع بعض اختلاف في الأغاني : 1 / 385 .
( 2 ) هو أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي ، وزير الرشيد ، قتله سنة 187 ه - 802 م . انظر :
الوفيات : 1 / 328 - 346 .
( 3 ) هو الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي ، وزير الرشيد ، وأخوه في الرضاع ، وأخو جعفر ، قبض عليه الرشيد في محنة البرامكة وسجنه مع أبيه يحيى إلى أن توفي بالسجن سنة 193 ه - 808 م .
انظر تاريخ بغداد : 12 / 334 - 339 ، والوفيات : 4 / 27 - 36 .
( 4 ) أي ليذهب فزعك ورعبك .