قلت : مترب ، قال : فمن الطين ، قلت طنه ، قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مطين ، قال : فمن السحاءة « 1 » ، قال : قلت : سحه ، قال : فهو ما ذا ؟ قال : قلت :
مسحيّ ، ومسحوّ ، قال : يا غلام ، أترب ، واسح ، وطن ، ثم قام ، فصلى بنا المغرب ثم قال لغلام فوق رأسه : تبلغ معه بهذا الكتاب إلى الفضل بن سهل « 2 » ، قال : فدخلنا عليه ، فتناول الكتاب ، فقرأه وقال : يا نضر ، إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم فما القصة ؟ قال : فحدثته الحديث ، ولم أكتمه شيئا ، قال : فقال لي : لحنت أمير المؤمنين ! . . . قال : قلت : كلا ، إنما هشيم لحن ، وكان لحانة ، فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ألفاظ العلماء ، فأمر لي بثلاثين ألف درهم ، فأخذت بكلمة واحدة استفادها ثمانين ألف درهم » « 3 » .
قلت : وينظر إلى هذه الحكاية ما نقله ابن الجوزي « أنه كان عند المهدي مؤدب يؤدب الرشيد ، فدعاه يوما المهدي وهو يستاك فقال : كيف تأمر بالسواك ؟
فقال : « استك » يا أمير المؤمنين . فقال المهدي :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
« 4 » ثم قال : التمسوا من هو أفهم منه ، قالوا له : رجل يقال له علي بن حمزة الكسائي من أهل الكوفة قدم من البادية قريبا ، فلما دخل ، قال : لبيك يا أمير المؤمنين ، وقال : كيف تأمر بالسواك ؟ قال : « سك » يا أمير المؤمنين ، قال : أحسنت . وأمر له بعشرة آلاف درهم » « 5 » .
فائدة :
قال الحريري - رحمه اللّه - إثر سياقه للحكاية الأولى : « وقد أذكرني هذا
هامش
( 1 ) السّحاءة : ما يشدّ به الكتاب ، سحى يسحو : شده بسحاءة .
( 2 ) هو الفضل بن سهل بن عبد اللّه السرخسي أبو العباس الملقب بذي « الرئاستين » . قتل سنة 202 ه - 817 م ، اغتاله نفر دخلوا عليه فقتلوه ، أسماه المأمون : ذا الرئاستين لتدبيره أمر السيف والقلم ، وفوض إليه أموره كلها فكان أكرم الناس عهدا ، وأحسنهم وفاء ، انظر : تاريخ بغداد : 12 / 339 - 343 .
( 3 ) هذه الحكاية نقلها ابن الأزرق عن طبقات الزبيدي : ص : 57 - 60 ، والأغاني : 16 / 153 - 154 ، ودرة الغواص : 141 - 143 ، وقد أوردها باختصار .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 156 .
( 5 ) تاريخ بغداد : 11 / 406 .