ومن هناك قال الإمام الشافعي : « ومن طلب العربية رقّ طبعه » . وذلك كله شاهد بأنها تلقح العقل وتحد الخاطر » « 1 » .
وأما المعقول : فبيانه أيضا من وجهين :
أحدهما : اعتباري ، والآخر : وجودي .
الأول : الاعتباري : وتقريره أن العربية لما كان النظر فيها مقدما على النظر في الكتاب والسنة - على ما سبق - نعم وعلى الخوض في كل فن من الفنون العلمية حتى العقلية - على ما يرد بيانه إن شاء اللّه - كان ذلك من أنور دليل على أنها تزيد في قوة العقل ، وتسلك به على مناهج الصواب ، في فهم الأساليب العربية ، وتحصيل الأوضاع اللغوية ، وإدراك المعاني الشاردة عن تعقل الجهلة بها بالمنطق ، وإن كان يسدد العقل في معقوله ، فكذلك النحو يحفظ اللسان في 92 ظ / / مقولة ، ولما كان اللسان العربي يعبر عن العقل بما لم تعبر به ألسنة الأعاجم جميعا ، كان الحفظ له بهذه الصناعة عائدا على العقل بالحفظ لا محالة ، لكن لا من جهة حفظ المنطق بل من هذه الجهة المخصوصة بلسان العرب .
الثاني : الوجودي : وهو شاهد بما يقتضيه الاعتبار ، وموقف على حصول ما دل عليه عيانا ، وذلك وإن كان غير مفتقر إلى تعيين من استعان بها على ما أراد من الفنون فأمدته بما انتهض به إلى إدراك ما أمل للعلم بذلك ضرورة [ وجوازا ] « 2 » من كل زوال الصنائع والعلوم . لكنا نذكر منه ما يخص الانتفاع بكتاب إمامها سيبويه ليتبين به عناء النظر فيه ، في إمداد العقل على ما يحاول من العلوم لما خص به من كمال ما توقف عليه فهم كلام العرب .
فعن أبي جعفر الطبري « 3 » قال : « سمعت الجرمي « 4 » يقول : أنا مذ ثلاثون
هامش
( 1 ) تحد الخاطر : تشحده للفهم والتأدب .
( 2 ) في « ج » : وجدان .
( 3 ) هو أحمد بن محمد بن رستم الطبري ، سكن بغداد وحدث بها عن نصير بن يوسف ، وهاشم بن عبد العزيز صاحبي الكسائي ، وكان متصدرا لإقراء النحو ، وله من الكتب : كتاب « غريب القرآن » و « المقصور والممدود » و « المذكر والمؤنث » . انظر : النزهة : 239 ، والإنباه : 1 / 128 .
( 4 ) هو أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي ، البصري . ت : 225 ه - 840 م ، نحوي ، فقيه -