وذلك أن سعد بن مالك ، كان عند بعض الملوك « 1 » ، فأراد الملك أن يبعث رائدا يرتاد له منزلا ينزله ، فبعث بعمرو فأبطأ عليه ، فآلى الملك لئن جاء ذاما ، أو حامدا ليقتلنه ، فلما جاء عمرو وسعد عنده قال سعد للملك : أتأذن لي فأكلمه ؟ قال : إذا أقطع لسانك ، قال : فأشير إليه ، قال : إذن أقطع يدك ، قال :
فأومئ إليه ، قال : أقطع جفن « 2 » عينك ، قال : فأقرع له بالعصا ، قال : اقرع :
فأخذ العصا فضرب بها عن يمينه ، ثم ضرب بها عن شماله ، ثم هزها بين يديه ، فلقن عمرو فقال : أبيت اللعن ! جئتك من أرض زائرها واقف ، وساكنها خائف ، والشبعى بها نائمة ، والمهزولة ساهرة جائعة ، ولم أر خصبا محلا ، ولا جدبا مزلا . أي لم أر خصبا يحل الكثير من طلابه في محله ، ولا جدبا مزلا ، أي يزل عنه طالب الكلأ من موضع إلى آخر » .
قلت : والبيت الذي ذكر أنه قيل في عمرو بن مالك 88 ظ / / قال أبو عبيد « 3 » في « كتاب الأمثال » : « إنه قيل في عامر بن الظرب العدواني ، وكان حكم العرب في الجاهلية ، فكبر حتى أنكر عقله فقال لبنيه : إذا أنا زغت فقوموني ، فكان إذا زاغ قرع له بالعصا على قدح فينتبه ، فينزع عن ذلك .
قال : ويقال إن هذه القصة لأكتم بن صيفي « 4 » . وقال بعضهم : أول من قرعت له العصا سعد بن مالك الكناني » « 5 » اه .
هامش
( 1 ) في الأغاني 23 / 524 : النعمان الأكبر .
( 2 ) في عيون الأخبار : 2 / 206 . أقطع حنو عينك ، أي حجاجها ، وهو العظم الذي ينبت عليه الحاجب .
( 3 ) هو القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء ، الخراساني ، البغدادي أبو عبيد . ت :
224 ه - 838 م ، من كبار العلماء بالحديث ، والأدب ، والفقه ، رحل إلى بغداد فولي القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة ، من كتبه : « الغريب المصنف » في غريب الحديث ، و « الأمثال السائرة » و « الأموال » . انظر : طبقات الزبيدي : 199 - 202 ، والنزهة : 136 - 141 .
( 4 ) أكثم بن صيفي بن رياح بن الحارث التميمي ، أحد حكام العرب ، وأحد المعمرين ، عاش زمنا طويلا ، وأدرك الإسلام ، وقصد المدينة ، في مائة من قومه يريدون الإسلام ، فمات في الطريق ولم ير النبي ، وأسلم من بلغ المدينة من أصحابه . ت : 9 ه - 630 م . الإصابة : 1 / 110 - 112 .
( 5 ) انظر فصل المقال في شرح الأمثال : 148 .