وأما الدعاء فحفظه بالعربية - مما يفسد اللحن معناه ، ظاهر أيضا ، ولذلك قال الأستاذ أبو سعيد ابن لب : « الدعاء علم لساني ، وتعلق قلبي ، هما مبناه ، وعليهما يدور معناه » .
ثم ذكر عن الخطابي « أن الرياشي قال : مر الأصمعي « 1 » برجل يقول في دعائه : « يا ذو الجلال والإكرام » ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : ليث ، فأنشأ يقول :
ينادي ربّه باللّحن ليث * لذاك إذا دعاه لا يجيب » « 2 »
إلا أن الأستاذ أبا إسحاق الشاطبي - رحمه اللّه - تعقب هذا « بأن الحكاية شعرية لا فقهية والاحتجاج بها إلى اللعب أقرب منها إلى الجد .
قال : وأقرب ما فيه أن أحدا من العلماء لا يشترط في الدعاء ألا يلحن كما يشترط الإخلاص وصدق التوجه وعزم 86 و / / المسألة وغير ذلك من الشروط » « 3 » .
قلت : لم يأت الأستاذ بالحكاية على أنها الحجة على اشتراط سلامة الدعاء من اللحن من حيث هي شعرية ، بل لجريانها على ما ينبغي في الجملة من السلامة عن ذلك ، وحينئذ فلا يرد عليه ذلك التحامل .
وقوله : « وأقرب ما فيه إلى آخره » . . . جوابه : أن الإمام أبا سليمان الخطابي الذي ذكر الأستاذ عنه الحكاية ، وهو من علم مقامه في العلماء الجلة ، قد قال في صدر كتابه « 4 » في « شرح الأدعية » ما نصه :
هامش
( 1 ) هو عبد الملك بن قريب الباهلي أبو بكر . ت : نحو 216 ه - 831 م ، أديب ، لغوي ، نحوي ، محدث ، فقيه ، أصولي ، من تصانيفه : « كتاب اللغات » و « كتاب الخوارج » و « نوادر الإعراب » .
انظر : طبقات الزبيدي : 167 - 174 ، والنزهة : 112 - 124 .
( 2 ) انظر : مخ تفسير الأسماء والدعوات للخطابي . ص : 5 . الخزانة العامة ، الرباط رقم : ق : 1142 .
( 3 ) انظر : الاعتصام : 1 / 367 .
( 4 ) المراد كتابه : « تفسير الأسماء والدعوات » وقد قدم في صدر هذا الكتاب شرحا للدعاء : « معناه ، وفائدته ، وما محله في الدين ، وموضعه من العبادة ، وما حكمه في باب الاعتقاد ، وما الذي يجب أن ينوب الداعي بدعائه ، إلى سائر ما يتصل به من علومه وأحكامه » . وقد أشرنا إليه في الهامش رقم : 2 من هذه الصفحة .