الجهة الخامسة :
تجويز ما يستحيل على البارئ تعالى بحمل بعض ما تقدم على ظاهره ، كقول « بيان بن سمعان » : « كلّ شيء فان حتّى ذات الباري » ، - تعالى عن ذلك وتقدس - ، ما عدا الوجه ، مستدلا بقوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 1 » .
قال الإمام فخر الدين : « وذلك لا يقول به عاقل » اه .
وقال الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي : « والذي قصد هذا القائل لا يتجه لغة ولا معنى قال : وأقرب قول لقصد هذا المسكين أن يراد به ذو الوجه ، كما تقول : فعلت هذا لوجه فلان ، أي لفلان ، فكأن معنى الآية : « كلّ شيء هالك 83 ظ / / إلّا هو » .
وقوله تعالى :
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
« 2 » ومثله قوله تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
« 3 » .
قلت : ومن هذا المعنى ورود ما لا يليق بتنزيه الباري تعالى ، فيعتقد الجاهل بالعربية أنه على ما ظهر منه ، وليس كذلك .
وقد اعتنى سيبويه - رحمه اللّه - بالتنبيه على هذا النوع ، ومن كلامه يتبين تمثيله فقال - رحمه اللّه - : « وأما قوله تعالى جده :
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
و
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
« 4 » فإنه لا ينبغي أن تقول : إنه دعاء هاهنا ، لأن الكلام بذلك قبيح ، ولكن العباد إنما كلموا بكلامهم ، وجاء القرآن على لغتهم ، وعلى ما يعنون ، فكأنه - واللّه أعلم - قيل لهم :
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
و
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم ، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة فقيل هؤلاء ممن دخل في الشر والهلكة ، ووجب لهم هذا .
هامش
( 1 ) سورة القصص ، الآية : 88 .
( 2 ) سورة الإنسان ، الآية : 9 .
( 3 ) سورة الرحمن ، الآيتان : 26 و 27 . وانظر : النص في الاعتصام : 2 / 303 .
( 4 ) سورة المطففين ، الآية : 1 .