وبيان الثانية : قوله تعالى :
جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
إلى قوله تعالى :
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
« 1 » .
قال الإمام فخر الدين : « ويمكن إثبات مقدمتي هذا الدليل بالعقل .
أما بيان أن العالم باللّه يجب أن يخشاه ، فلأن من لم يكن عالما بالشيء يستحيل أن يكون خائفا منه ، ثم لا يكفي - في الخوف - : العلم بالذات ، بل لا بد من العلم بالقدرة ، لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة ، لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعه ، وبكونه عالما ، لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته ، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه .
وبكونه حكيما : لأن الساخر بالغير عند السلطان ، عالم بكون السلطان قادرا على منعه عالما بقبائح أفعاله ، لكنه يفعل لعلمه أنه يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف ، أما لو علم اطلاع السلطان على قبائح أفعاله ، وعلم قدرته على منعه ، وعلم أنه حكيم لا يرضى بسفاهته صارت هذه العلوم الثلاثة موجبة لحصول الخوف في قلبه ، فثبت أن خوف العبد من اللّه تعالى لا يحصل إلا إذا علم بكونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، قادرا على كل المقدورات غير راض بالمحرمات والمنكرات ، فثبت أن الخوف من لوازم العلم باللّه .
وأما بيان [ أن ] « 2 » الخشية سبب في الثواب : فلأن العبد إذا وجد لذة عاجلة ، وكانت على خلاف أمر اللّه تعالى ، صارت مشتملة على منفعة ومضرة ، وصريح العقل حاكم بترجيح الجانب الراجح على الجانب المرجوح وإذ ذاك فيصير 60 و / تاركا للمحظور ، فاعلا للواجب ، و [ ذلك ] « 3 » هو المعنى بكونه من أهل الثواب .
قال : فقد ثبت بالشواهد النقلية والعقلية أن العالم باللّه خائف ، والخائف من أهل الجنة » « 4 » انتهى ملخصا .
هامش
( 1 ) سورة البينة ، الآية : 8 .
( 2 ) ساقط من « أ » .
( 3 ) في « ج » : أن .
( 4 ) تفسير الرازي : 2 / 186 - 187 .