قلت : وهنا حكاية ذكرها الرشاطي هي من شواهد هذا المعنى ، « فأسند عن أبي الحسين ابن فارس « 1 » قال : سمعت الأستاذ ابن العميد « 2 » يقول : ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها حتى شاهدت مذاكرة سليمان بن أحمد الطبراني « 3 » وأبي بكر الجعابي « 4 » بحضرتي ، فكان الطبراني يغلب الجعابي بكثرة حفظه ، وكان الجعابي يغلب الطبراني بفطنته ، وذكاء أهل بغداد حتى ارتفعت أصواتهما ولا يكاد أحد يغلب صاحبه .
فقال الجعابي : يا مولانا عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي . قال :
هاته . فقال : حدثنا أبو خليفة « 5 » قال : [ نا سليمان بن أيوب وحدث بالحديث . . .
فقال الطبراني : نا سليمان بن أيوب ومني سمع أبو خليفة ] « 6 » فاسمع مني حتى يعلو إسنادك ، فإنك تروي عن أبي خليفة عني ، فخجل الجعابي وغلبه الطبراني .
قال ابن العميد : فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتهما لم تكن لي وكنت الطبراني ، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني لأجل الحديث هذا ، أو معناه » اه .
هامش
( 1 ) هو أبو الحسين أحمد بن زكرياء بن فارس الشافعي أولا ثم المالكي المعروف بالرازي . ت :
حوالي ( 390 ه - 1004 م ) مختلف في سنة وفاته ، كان إماما في رجال خراسان غلب عليه علم النحو ، ولسان العرب فشهر به ، كما كان أديبا وشاعرا . له « شرح مختصر المزني » ، و « مقاييس اللغة » و « حلية الفقهاء » . . . انظر : النزهة : 320 - 322 ، والديباج : 1 / 163 - 165 - وقد كان « ابن فارس » شديد التعصب لابن العميد .
( 2 ) الوزير محمد بن الحسين المعروف بابن العميد أبو الفضل . ت : 360 ه - 971 م أديب ، لغوي ، حكيم سياسي ، انظر الوافي للصفدي : 2 / 381 ، وأمراء البيان : 2 / 567 - 592 .
( 3 ) ت : 360 ه - 981 م ، المحدث الحافظ ، صاحب المعاجم الثلاثة : الكبير والأوسط والصغير ، انظر : الوفيات : 2 / 407 .
( 4 ) محمد بن عمر التميمي البغدادي الجعابي الشيعي أبو بكر . ت : 355 ه - 966 م ، قاض محدث ، حافظ ، فقيه ، سمع منه الدارقطني ، وابن شاهين . . . من آثاره : « أخبار آل أبي طالب » وكتاب « الموالي » . انظر تاريخ بغداد : 3 / 26 - 31 ، والوافي : 4 / 240 - 241 .
( 5 ) هو الفضل بن الحباب الجمحي ، كان ابن أخت أبي عبد اللّه محمد بن سلام . ت : 305 ه - 917 م ، كان من أجلاء أصحاب الحديث ، كما كان من علم اللغة والشعر بمكان عال . انظر :
طبقات الزبيدي : 182 والتذكرة : 2 / 670 .
( 6 ) ساقط من « ج » .