حاجة من فوقه ، ثم هي مع ذلك تتفاوت بحسب تفاوت صاحبها ، في مقدار ما هو بسبيله ، وحينئذ فتكون مقولة بالتشكيك المحض ، ويلزم عن ذلك أمر آخر :
وهو أن النحو يجب أن يكون في نفسه قد استقصيت فيه الغاية ، وبذل في تدقيق النظر فيه مجهود الاستطاعة ، ليكون أصلا لأصناف الطالبين ، وموردا قد علم كل الناس مشربهم منه ، وكذلك فعلوا رحمهم اللّه .
قال ابن خروف « 1 » في تنزيه أئمة النحو عما نسب إليهم من الزلل والسهو :
« لولا اجتهادهم في ضبطه ، وتحريهم في نقله ، وتبنيهم معانيه ، واتساعه ، ومجازه ، وحذفه ، وأكثر علله ، وحصر [ الكثير ] « 2 » منه في القليل ، ما علمت حقيقته ، وما احتوى عليه من عجائبه » اه .
وإذا كان كذلك فكيف يصح أن يقال في جانب الأئمة الذين تكفلوا بالقيام بهذه المهمة ، وأنهضت إلى تكميل الغاية منها عزائمهم : « إنهم ما أتوا إلا بما خاب فيه سعيهم ، وخسرت في التشمير عن ساعد الجد فيه صفقتهم ، حتى نسبوا إلى الجنون ، والحماقة ، وحذر من [ غرور ] « 3 » الفتنة بآرائهم ، وسفه الاعتقاد 12 و / / لخرافات علمهم ، وهذيان صناعتهم » .
لا يقال : إنما هذا في حق من اشتغل بطلب ما فوق الحاجة معرضا عن تقديم الأهم ، لأن ذلك لا يخفى أنه من فعل ذوي السفه والجهالة ، لأنا نقول أولا : قوله بعد ذلك « 4 » : [ « إن النحاة مضت أعمارهم بددا » ] إلى آخره . . . يبين أن الفتنة بآراء هذه الحماقة التي أنتجها تعمق النظر في هذا العلم ، لا تخص
هامش
( 1 ) هو أبو الحسن علي بن محمد الحضرمي الإشبيلي . ت : 604 ه - 1208 م . من أعلم الناس بالعربية . له كتاب « تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب » و « شرح الجمل للزجاجي » . وله ردود كثيرة على بعض معاصريه . انظر : معجم الأدباء : 15 / 75 - 76 ، والوفيات : 3 / 335 ، وجذوة ابن القاضي : 2 / 484 - 485 .
( 2 ) في « أ » : الكبير .
( 3 ) في « أ » : عزور .
( 4 ) البيت الثالث من القصيدة - ص : 11 و / / من مخ « أ » . ص : 126 من هذا الكتاب .