الثاني : على تسليم عدم ثبوت هذا الإجماع .
قال الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي : « فقاعدة المصالح تضم « 1 » علوم العربية إلى قبيل المشروع فهي من جنس كتب المصحف ، وتدوين الشرائع » « 2 » .
قلت : « يعني بالمصالح » : المصالح المرسلة ، وهي ما لم يشهد لاعتبارها شرعا ، دليل معين ، وتحرير الكلام عليها ، مقرر في أصول الفقه ، وسنشير - إن شاء اللّه - إلى بسط دلالة هذا النوع من الدليل على شرعية هذا العلم . وإذا ثبت أصله نقلا ، واعتبارا ، فإطلاق الإحداث عليه ، بعد مضي زمان السلف الصالح ، إن كان على المجاز كما تقدم . فيقرب الأمر ، ولكن الظاهر من كلام الشيخ أبي طالب 10 ظ / / المكي ، « أنه يريد الإحداث الحقيقي ، وخصوصا في تدقيق النظر فيه ، وحينئذ فلا يشك في بطلان مقولة ومنقوله ، وغير بعيد هذا من حاله ، وإن كان من أئمة علماء الآخرة . فقد قال فيه الأستاذ « أبو إسحاق الشاطبي » فيما وقفت عليه من « أجوبته » : « له آراء خالف فيها العلماء حتى إنه ربما خالف الإجماع في بعض المواضع ، لكن له كلام حسن في الوعظ ، والتذكير ، والتحريض على طلب الآخرة ، فلذلك إذا احتاج الطلبة إلى كتابه « قوت القلوب » طالعوه متحرزين ، وأما العوام فلا يحل لهم مطالعته البتة » .
قلت : لقولهم : « كل كلام ، منه مأخوذ أو متروك ، إلا ما كان من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم « 3 » وثبت هذا عن مالك - رحمه اللّه - فالطلبة يعرفون ما يؤخذ منه ، وما يترك ، والعوام لا معرفة لهم بذلك ، فيتعين عليهم ترك النظر في الجميع ، لالتباس الضار بالنافع ، ولا يعود هذا كله بقدح فيمن اشتهر فضله ، وعرفت في مراتب علماء الآخرة منزلته ، لأن عدم الأخذ بمثل هذا من كلامه ، إنما هو لما عارضه ، مما هو أولى منه بشهادة الإجماع ، وعمل أئمة المسلمين ، مع حفظ ما يجب له من التعظيم ، ويعتقد في جانبه من رجاء البركة به ، والتماس أنوار
هامش
( 1 ) في الاعتصام : 1 / 199 : تعم .
( 2 ) انظر : م . س : 1 / 199 .
( 3 ) الاعتصام : 1 / 217 .