كسرى في بعض حروبه برجل قد استظلّ بشجرة وقد شدّ دابّته وألقى سلاحه ، فقال : يا نذل نحن في الحرب وأنت بهذه الحالة تتقي من الحرّ ؟ فقال : أيها الأمير بلغت هذا السنّ « 1 » بالتوقي . فضحك وأعطاه مالا . قيل لرجل : إذا انهزمت غضب الأمير . قال : أن يغضب الأمير وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يرضى وأنا ميت . قيل لبعض المنهزمين : من خير الناس ؟ قال : من صبر أخزاه اللّه ومن هرب نجّاه اللّه .
أتي الحجّاج برجل من أصحاب ابن الأشعث « 2 » فقال : أسألك أن تقتلني وتخلّصني . فقال الحجّاج : لم ؟ قال : لأني أرى في المنام كلما نمت أنك تقتلني ، وقتلة تخلّصني أهون من ذلك . فضحك وخلّى سبيله . قال سقراط لرجل هرب من الحرب : الهرب من الحرب فضيحة . فقال الهارب : شرّ من الفضيحة الموت . الحجاج : ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها ، النوازع إلى أعطانها « 3 » ، لا يلوي الشيخ على بنيه ، ولا يسأل المرء عن أخيه . سمع الجمّاز محبوسا يقول :
اللهم احفظني . فقال : قل : اللهمّ ضيّعني حتى ينقلك من هاهنا ، فحفظه لك أن يبقيك في الحبس . كتب رجل من أهل السجن إلى الرشيد : ما مرّ يوم من نعيمك إلّا مرّ يوم من بؤسي ، والأمر قريب ، والسّلام . أتي المنصور برجل جان فأمر بقتله ، فقال : إنّ اللّه أعظم سلطانا منك وهو عاقب بالخلود لا بالفناء . فحبسه .
حكي أن يوسف عليه السّلام دعا لأهل السجن فقال : اللهم عطّف عليهم الأخيار ، ولا تخف عنهم الأخبار . فيقال : إنهم أعلم الناس بكلّ خبر . خرج
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، وصوابه : « هذه السنّ » ، لأن السنّ مؤنثة .
( 2 ) هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي ، أمير ، من القادة الشجعان ، الدهاة . له وقائع مع الحجاج الثقفي « - 85 ه » .
( 3 ) أي مباركها ومرابضها . والمفرد : العطن .