تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
لم يدعه يبيت بالشام ليلة واحدة وقال له : الحق بأهلك فإنك لم تغنمهم شيئا هو أنفس منك ولا أرد عليهم من حياتك ، أخاف عليك طواعين الشام ، وستلحقك الحوائج على ما تشتهي وتحب . وإنما كره أن يروه ويسمعوا كلامه فلعله أن يبذر في قلوبهم بذرا ، ويغرس في صدورهم غرسا . وكان أعظم خلق اللّه قولا بالجبر حتى يتجاوز الجهمية ويربي على كل ذي غاية صاحب شنعة ، وكان يصنع في ذلك الكتب مع جهله بالكلام وقلة اختلافه إلى أهل النظر . وقال له شوذب الخارجي : لم لا تلعن رهطك وتذكر أباك إن كانوا عندك ظلمة فجرة ؟ فقال عمر : متى عهدك بلعن فرعون ؟ قال : ما لي به عهد . قال : أفيسعك أن تمسك عن لعن فرعون ولا يسعني أن أمسك عن لعن آبائي ! ؟ ؟ فرأى أنه قد خصمه وقطع حجته ، وكذلك يظن كل من قصر عن مقدار العالم وجاوز مقدار الجاهل ! وأي شبه لفرعون بآل مروان وآل أبي سفيان ؟ هؤلاء قوم لهم حزب وشيعة وناس كثير يدينون بتفضيلهم وقد اعتورتهم الشبه في أمرهم ، وفرعون على خلاف ذلك وضده ، لا شيعة له ولا حزب ولا نسل ولا موالي ولا صنائع ولا في أمره شبهة ؟ ثم إن عمر ظنين في أمر أهله فيحتاج إلى غسل ذلك عنه بالبراءة منهم . وشوذب ليس بظنين في أمر فرعون . وليس الإمساك عن لعن فرعون والبراءة منه مما يعرفه الخوارج . فكيف استويا عنده ! ؟ . وشكا إليه رجل من رهطه دينا فادحا وعيالا كثيرا فاعتل عليه ، فقال له : هلا اعتللت على عبد اللّه بن الحسن ؟ قال : ومتى شاورتك في أمري ؟ قال : أو مشيرا تراني ؟ قال : وهل أعطيته إلا بعض حقه ؟ قال : ولم قصرت عن كله ؟ ! فأمر باخراجه وما زال إلى أن مات محروما منه . وكان عمال أهله على البلاد عماله وأصحابه . والذي حسن أمره وشبه على الأغبياء حاله أنه قام بعقب قوم قد بدلوا عامة شرائع الدين وسنن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان الناس قبله من الظلم والجور والتهاون بالاسلام في أمر صغر في جنبه ما عاينوا منه وآلفوه عليه . فجعلوه بما نقص من تلك الأمور الفظيعة ، في عداد الأئمة الراشدين . وحسبك من ذلك أنهم كانوا يلعنون عليا على منابرهم فلما نهى عمر عن ذلك عد محسنا .
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 434 | الجاحظ / علي أبو ملحم