تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١

[ 16 - فخر هاشم بالكرم ]

قال : وإن كان الفخر والفضل في الجود والسماح ، فمن مثل عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ؟ ومن مثل عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب ؟ - وقد اعترضت الأموية هذا الموضع فقالت : إنما كان عبد اللّه بن جعفر يهب مما كان معاوية ويزيد يهبانه له ، فمن فضل جودنا جاد ، قالوا : ومعاوية أول رجل في الأرض وهب ألف ألف درهم ، وابنه يزيد أول من ضاعف ذلك . فإنه كان يجيز الحسن والحسين ابني علي في كل عام لكل واحد منهما بألف ألف درهم ، وكذلك كان يجيز عبد اللّه بن العباس وعبد اللّه بن جعفر ، فلما مات وقام يزيد وفد عليه عبد اللّه بن جعفر فقال له : إن أمير المؤمنين معاوية كان يصل رحمي في كل سنة بألف ألف درهم ؟ قال : فلك ألفا ألف درهم ! فقال : بأبي أنت وأمي ؟ أما إني ما قلتها لابن أنثى قبلك ! قال : فلك أربعة آلاف ألف درهم - وهذا الاعتراض ساقط ، لأن [ هذا ] إن صح لم يعد جودا ولا جائزة ولا صلة رحم ، هؤلاء قوم كان يخافهم على ملكه ويعرف حقهم فيه وموقعهم من قلوب الأمة ، فكان يدبر في ذلك تدبيرا ويريغ أمورا ويصانع عن دولته وملكه . ونحن لم نعد قط ما أعطى خلفاء بني هاشم قوادهم وكتابهم وبني عمهم جودا ، فقد وهب المأمون للحسن بن سهل غلة عشرة آلاف ألف فما عد ذلك منه مكرمة ، وكذلك كل ما يكون داخلا في باب التجارة واستمالة القلوب وتدبير الدولة ، وإنما يكون الجود ما يدفعه الملوك إلى الوفود والخطباء والشعراء والأشراف والأدباء والسمار ونحوه ؟ ولولا ذلك لكان الخليفة إذا وفى الجند أعطياتهم احتسب ذلك في جوده ! فالعمالات شيء والإعطاء على دفع المكروه شيء ، والتفضل والجود شيء . ثم إن الذين أعطاهم معاوية ويزيد هو بعض حقهم ، والذي فضل عليهما أكثر مما خرج منهما . وإن أريد الموازنة بين ملوك بني العباس وملوك بني أمية في العطاء افتضح بنو أمية وناصروهم فضيحة ظاهرة . فإن نساء خلفاء بني العباس