تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
من أقاويلهم ويتعاظمك من اختلافهم والراسخون في العلم والناطقون بالفهم يعلمون أن استفاضة عرضك قد أدخلت الضيم على ارتفاع سمكك ، وأن ما ذهب منك عرضا قد استغرق ما ذهب منك طولا . ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا في عرضك . وإذ قد سلّموا لك بالرغم شطرا ومنعوك بالظلم شطرا فقد حصلت ما سلّموا وأنت على دعواك فيما لم يسلّموا . ولعمري إن العيون لتخطئ ، وإن الحواس لتكذب ، وما الحكم القاطع إلا للذهن ، وما الاستبانة الصحيحة الا للعقل إذ كان زماما على الأعضاء وعيارا على الحواس . ومما يثبت أيضا أن ظاهر عرضك مانع من إدراك حقيقة طولك قول أبي دواد الإيادي في إبله :
سمنت واستحشّ أكرعها * لا النّيّ نيّ ولا السّنام سنام
وقول رافع بن هريم :
أدقّ شواها عند بهرة جوفها * سنام كقصر الهاجريّ مقرمد
ولو لم يكن من العجب إلا أنك أول من تعبده اللّه تعالى بالصبر على خطأ الحس وبالشكر على صواب الذهن ، لقد كنت في طولك آية للسابلين ، وفي عرضك منارا للضالين : وقد تظلم المربوع مثلي من الطويل مثل محمد ومن القصير مثل أحمد إذ زعم محمد أنه إنما أفرط في الرشاقة ونسب إلى القضافة لأن إفراط طوله غمر الاعتدال من عرضه . وزعم أحمد أنه إنما أفرط في العرض ونسب إلى الغلظ لأن افراط عرضه غمر الاعتدال من طوله . وكلاهما يحتاج إلى الاعتذار ويفتقر إلى الاعتلال . والمربوع بحمد اللّه قد اعتدلت أجزاؤه في الحقيقة كما اعتدلت في المنظر ! فقد استغنى بعز الحقيقة عن الاعتذار وبحكم الظاهر عن الاعتلال . وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري